2

احكام فروق الطلاق بين سورتي البقرة والطلاق

الأربعاء، 29 يونيو 2022

الإيمان بالموت وما بعده من سؤال القبر وعذابه ونعيمه وما يتعلق بالموت من مسائل كتبه محمد سعد عبدالدايم

 

الإيمان بالموت وما بعده من سؤال القبر وعذابه ونعيمه وما يتعلق بالموت من مسائل كتبه محمد سعد عبدالدايم

 

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ))

أَمَّا بَعْدُ :

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ

وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ

وإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ .. فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى .

 

في هذا الكتاب نتعرض لعقيدة هامة من عقائد الإسلام ، وهي جزء أصيل من الإيمان بالله واليوم الآخر ..

فإن اليوم الآخر لكل إنسان يبدأ من لحظات موته .. وهذه هي القيامة الصغرى التي تكون لكل إنسان .. فتجري عليه أحكام الآخرة .. من نزول الملائكة ونزع الروح وسؤال الملائكة وما يجري عليه من الجزاء في قبره .. وما يلاقيه في حياته الثانية في البرزخ ..

هذا .. بإذن الله تعالى نتكلم هنا عن العقيدة الصحيحة التي يجب أن تكون عند المسلم تجاه هذا الأمر الجلل .. وما جاء من نصوص الكتاب والسنة في بيان هذه العقيدة

ونتكلم بإذن الله عن كل ما يمر به المسلم وغير المسلم بداية من لحظات الموت وظهور علاماته وما يمر به بعد ذلك من مراحل ..

فنتكلم عن حالات الاحتضار ونزع الروح وما يعقب ذلك من سؤال الملكين وما يكون في القبر وما يجري فيه من أحداث للبر والفاجر .. وما يمر به الإنسان من مراحل وحتى استقرار الروح في مقامها التي أراده الله تعالى في الحياة البرزخية

ونتكلم عن إثبات عذاب القبر والأدلة على ذلك من كتاب وسنة وإجماع

وما هي أسباب عذاب القبر وطرق النجاة منها العامة والخاصة ، وما هي علامات حسن الخاتمة والأسباب الموصلة إليها

كما نذكر مسألة تمني الموت وما يتعلق بها من حالات وأحكام ، ونفرد فصلاً للكلام عن موت الفجأة ، ونختم بالكلام عن الأداب الواجبة نحو الموتى وحكم النياحة وما يتعلق بذلك من مسائل .. وبإذن الله نتبع هذا الكتاب بجزء آخر نذكر فيها أحكام الجنائز

والله تعالى نسال القبول والعفو العافية .. وصلِ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه .. والحمد لله رب العالمين

كتبه : محمد سعد عبدالدايم

غرة شعبان 1436 للهجرة المشرفة

19 مايو 2015 م

الإيمان بالموت

 

الموت حقيقة مشاهدة ، ولا يجهله أحد ، وليس فيه شك ولا تردد ، ولكن المقصود بالإيمان بالموت هو اعتقاد مخصوص لدى أهل الإسلام ، يخالفون فيه أهل الشرك الذين قال الله تعالى عنهم :

((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ))

فأهل الشرك ومن تبعهم من الملحدين يعتقدون أن الحياة والموت عادات تحدث ، يموت أناس ويحيا أناس ، وليس ذلك من إله يقدر ويحيي ويميت ، وأنهم ينتهون بموتهم لا يبعثون مرة أخرى ولا يجازون بأعمالهم ، وقولهم هذا صادر عن غير علم ((إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ)) فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلهم على ذلك ولا برهان ، إن هي إلا ظنون واستبعادات خالية عن الحقيقة .

أما أهل الإسلام فلهم عقائد خاصة في الموت ، أثبتها الهق تعالى في كتابه الكريم وقررها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته ، فهو عقيدة هامة من عقائد المسلمين ، وركنًا هامًا من أركان الإيمان العظيمة الثابتة .

كما أنه يترتب على الاعتقاد بالموت وما فيه وما بعده آثار وأعمال هامة في حياة المؤمنين ، فالموت أول مراحل الآخرة ، وهو بداية مجازاة العباد ومحاسبتهم على أعمالهم ، وبعده تكون بداية هذه المجازاة ، ويكون النعيم أو العذاب .

لذا يتوقف عملهم كله في الدنيا على العيش من أجل هذه اللحظات ، فالسعيد من وفقه الله تعالى لطاعته والشقي عكس ذلك

وهذه العقيدة الهامة لها درجات وأركان نذكرها فيما يلي :

 

أولاً : وجوب الإيمان بالموت :

الإيمان بالموت من أمور ومسائل الإيمان التي يجب الإيمان بها ، واعتناق الاعتقاد الصحيح بها ولا يتحقق إيمان العبد إلا عندما يؤمن بالموت ، وبالصورة الصحيحة .

 

عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ : يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ ))

 

قَالَ الْقَارِي نَقْلاً عَنْ الْمُظْهِرِ :

الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفْيُ أَصْلِ الإِيمَانِ لا نَفْيُ الْكَمَالِ . فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا .

الأَوَّلُ : الإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ .

وَالثَّانِي : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ أَيْ يَعْتَقِدَ فَنَاءَ الدُّنْيَا وَهُوَ اِحْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ أَبَدًا . قَالَ الْقَارِي وَفِي مَعْنَاهُ التَّنَاسُخِيُّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ اِعْتِقَادُ أَنَّ الْمَوْتَ يَحْصُلُ بِأَمْرِ اللَّهِ لا بِفَسَادِ الْمِزَاجِ كَمَا يَقُولُهُ الطَّبِيعِيُّ .

وَالثَّالِثُ : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ .

وَالرَّابِعُ : أَنْ يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ يَعْنِي بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَجْرِي فِي الْعَالَمِ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ .

 

قوله : نفي أصل الإيمان :

أي ينتفي عنه الإيمان بالكلية ، فيكون كافرًا إن لم يؤمن بالموت على مراد الشريعة

 

 

وعن ابن عباس قَالَ :

(( جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا لَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي مَا الإِسْلامُ ؟

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الإِسْلامُ أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ ، وَتَشْهَدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، قَالَ : فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ ؟ قَالَ : إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتَ .

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي مَا الإِيمَانُ ؟

قَالَ : الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وَالْمَلائِكَةِ ، وَالْكِتَابِ ، وَالنَّبِيِّينَ ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ ، وَبِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَالْحِسَابِ ، وَالْمِيزَانِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ .

قَالَ : فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ ؟

قَالَ : إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتَ .

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي مَا الإِحْسَانُ ؟

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي مَتَى السَّاعَةُ ؟

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَانَ اللَّهِ فِي خَمْسٍ مِنْ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا هُوَ "إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِمَعَالِمَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ

قَالَ : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَحَدِّثْنِي .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتَ الأَمَةَ وَلَدَتْ رَبَّتَهَا أَوْ رَبَّهَا وَرَأَيْتَ أَصْحَابَ الشَّاءِ تَطَاوَلُوا بِالْبُنْيَانِ وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْجِيَاعَ الْعَالَةَ كَانُوا رُءُوسَ النَّاسِ فَذَلِكَ مِنْ مَعَالِمِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ أَصْحَابُ الشَّاءِ وَالْحُفَاةُ الْجِيَاعُ الْعَالَةُ ؟ قَالَ : الْعَرَبُ ))

ففي هذا الحديث بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان بالموت ركن من أركان الإيمان ، يجب اعتقاده والإيمان به .

 

ثانيًا : الموت بأمر الله وقدره :

وهو أن نؤمن أن الموت من عند الله وبأمره وبقدره ، فالإنسان لا يموت إلا بأمر من الله تعالى ، بل الكائنات كلها

قال تعالى (( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ))

وقال تعالى (( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ))

أي قضينا به عليكم وكتبناه عليكم وجعلنا لكل واحد أجلاً معيناً لا يتعداه ولا يتأخر منه بحال من الأحوال ، فلا يستطيع أحد منكم أن يمنعنا من إماتته وفي الوقت المحدد له (وما نحن بمسبوقين) أي بعاجزين

 

وقال تعالى عن موت سليمان عليه السلام :

((فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ))

فيخبر تعالى أن موت سليمان عليه السلام بقضاءه وقدره ، وكذلك جميع المخلوقات

 



 

 

ثالثًا : أن  الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت :

قال تعالى :

(( قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ))

وقال تعالى :

(( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ))

وقال تعالى :

(( إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ))

وقال تعالى :

(( أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))

وقال تعالى :

(( لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ))

فالله تبارك وتعالى هو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو لا رب سواه ، وهو كذلك الذي يحيي ويميت لا يشاركه أحد في ذلك ، فهو الذي يهب الحياة لمن يشاء ، ويخلقه ابتداءًا من العدم ، وهو الذي يميت هذا المخلوق .

فكما نؤمن بأن الله تعالى هو خالق الأحياء ومخرجهم من العدم ، فنؤمن كذلك أنه تعالى هو الذي يميتهم ويتوفاهم .

فالله سبحانه هو الذي يتوفى الأنفس :

قال تعالى :

(( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))

فالله عز وجل يتوفى الأنفس حين نومها ويقبضها ، فيرسل من شاء لها استكمال الحياة ويقبض عنده سبحانه من شاء لها الموت ، وصح في الحديث (أن النوم أخر الموت)

وقال تعالى :

((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ))

وقال تعالى :

(( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))

وقال تعالى :

(( وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَي الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ))

فالله سبحانه وإن كان وَكَّلَ ملائكة بقبض أرواح بني آدم ، إلا أن الله سبحانه هو صاحب الأمر والقضاء وهو الفاعل حقيقة

فعن أَبِي قَتَادَةَ قَالَ :

(( سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنْ الصَّلَاةِ ، قَالَ بِلَالٌ : أَنَا أُوقِظُكُمْ ، فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ : يَا بِلَالُ أَيْنَ مَا قُلْتَ ؟ قَالَ : مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ ، قَالَ :

إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى ))

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ :

(( اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ .

فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ ؟

فَقَالَ : مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 

ويؤيد ذلك أيضًا ما جاء :

عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا

وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ))

 

فهذا يدل على أن النوم موت ، وأن الله تعالى هو الذي يقبض الأنفس وهو الذي يرسلها إذا شاء فكان صلى الله عليه وسلم يحمد الله على أن أحياه بعد استيقاظه

 

 

وعن جابر رضي الله عنه :

(( سأل رجلٌ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أينامُ أهلُ الجنةَ ؟ قال: النومُ أخو الموتِ ، ولا يموتُ أهلُ الجنةِ ))

فالله هو الذي يتوفى الأنفس ويقبضها ويرسلها ، والأحاديث في هذا الأمر كثيرة .

 



 

رابعًا : تفرد الله بالإحياء والإماتة لا شريك له :

قال تعالى : (( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ))

قال السعدي : يخبر تعالى أنه وحده المنفرد بخلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم، وأنه ليس أحد من الشركاء التي يدعوهم المشركون من يشارك اللّه في شيء من هذه الأشياء.

فكيف يشركون بمن انفرد بهذه الأمور من ليس له تصرف فيها بوجه من الوجوه؟!

فسبحانه وتعالى وتقدس وتنزه وعلا عن شركهم، فلا يضره ذلك وإنما وبالهم عليهم .

فالإيمان بتفرد الله تعالى في ذلك ، وأنه لا شريك له في ذلك ، من لوازم ومقتضيات التوحيد وأصول الإيمان .

 



خامسًا: الموت حق على كل نفس :

قال تعالى :

(( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :

(( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ))

وقال تعالى :

(( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ))

وقال تعالى :

(( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ))

وقال تعالى :

(( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ))

وقال تعالى :

(( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ))

وغير ذلك من الآيات

 

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :

((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ))

فكل الخلق كتب الله عليه الموت والفناء ، ولا يبقى إلا الله العلي الكبير ، فهو الحي الذي لا يموت ، وكل شيء سواه سبحانه ، كتب الله عليه الفناء والهلاك .. فالكل فقير مربوب للرب القدير الحي الذي لا يموت ، وهذه من أعظم صور تفرد الله تبارك وتعالى ووحدانيته عز وجل

 



سادسًا : لكل إنسان  أجله الذي يموت فيه :

قال تعالى :

(( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ))

أي لكل مدة كتاب ، كتبت فيه المدة المحددة ، فهذا أمر عام في كل شيء ، أن جعل الله له مدة وأجل لا يتعداها .

وقال تعالى :

((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ))

أي: وقد أخرج اللّه بني آدم إلى الأرض، وأسكنهم فيها، وجعل لهم أجلاً مسمى لا تتقدم أمة من الأمم على وقتها المسمى، ولا تتأخر، لا الأمم المجتمعة ولا أفرادها.

وقال تعالى

(( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ، لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ))

أي : اعلموا أنه لكل أمة من الأمم أجل أي وقت محدد لهلاكها وموتها فيه ، فلا يتأخرون عنه ساعة ولا يتقدمون عليه بأخرى .

وقال تعالى :

(( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ))

وقال تعالى :

(( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ))

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ :

اكْتُبْ عَمَلَهُ ، وَرِزْقَهُ ، وَأَجَلَهُ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ

فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ

وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))

فكل إنسان مقدر له عمره ، ويكتب الله له ذلك حين ينفخ فيه الروح في بطن أمه ، ولا يتقدم عن هذا الأجل ولا يتأخر طرفة عين .

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

(( قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ" ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ

وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ ))

فأخبرها صلى الله عليه وسلم أن الآجال مقدرة لا يتأخر منها شيء ولا يتقدم ؟.

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا ، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ :

هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ))

قَوْله ( خَطَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا ) الْخَطّ الرَّسْم وَالشَّكْل , وَالْمُرَبَّع الْمُسْتَوِي الزَّوَايَا

قَوْله ( وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَط خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَط مِنْ جَانِبه الَّذِي فِي الْوَسَط ) فَالإِشَارَة بِقَوْلِهِ " هَذَا الإِنْسَان " إِلَى النُّقْطَة الدَّاخِلَة , وَبِقَوْلِهِ " وَهَذَا أَجَله مُحِيط بِهِ " إِلَى الْمُرَبَّع , وَبِقَوْلِهِ " وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِج أَمَله " إِلَى الْخَطّ الْمُسْتَطِيل الْمُنْفَرِد , وَبِقَوْلِهِ " وَهَذِهِ إِلَى الْخُطُوط " وَهِيَ مَذْكُورَة عَلَى سَبِيل الْمِثَال لا أَنَّ الْمُرَاد اِنْحِصَارهَا فِي عَدَد مُعَيَّن

قَوْله ( الأَعْرَاض ) جَمْع عَرَض بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْر وَفِي الشَّرّ

قَوْله ( نَهَشَهُ ) أَيْ أَصَابَهُ .

وقال الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لِلْخَطِّ الدَّاخِل اِعْتِبَارَيْنِ : فَالْمِقْدَار الدَّاخِل مِنْهُ هُوَ الإِنْسَان وَالْخَارِج أَمَله , وَالْمُرَاد بِالأَعْرَاضِ الآفَات الْعَارِضَة لَهُ فَإِنْ سَلِمَ مِنْ هَذَا لَمْ يَسْلَم مِنْ هَذَا وَإِنْ سَلِمَ مِنْ الْجَمِيع وَلَمْ تُصِبْهُ آفَة مِنْ مَرَض أَوْ فَقْد مَال أَوْ غَيْر ذَلِكَ بَغَتَهُ الأَجَل .

وَالْحَاصِل أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِالأَجَلِ . وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى الْحَضّ عَلَى قِصَر الأَمَل وَالاسْتِعْدَاد لِبَغْتَةِ الأَجَل . وَعَبَّرَ بِالنَّهْشِ وَهُوَ لَدْغ ذَات السُّمّ مُبَالَغَة فِي الإِصَابَة وَالإِهْلاك

 

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ :

(( خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطُوطًا فَقَالَ : هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ ))

 

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ :

(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا أَوْ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لِلرَّسُولِ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ .. الحديث ))

( وَكُلّ شَيْء عِنْده بِأَجَلٍ مُسَمَّى ) فَإِنَّ كُلّ مَنْ يَأْتِ قَدْ اِنْقَضَى أَجَله الْمُسَمَّى فَمُحَال تَقَدُّمه أَوْ تَأَخُّره عَنْهُ , فَإِذَا عَلِمْتُمْ هَذَا كُلّه فَاصْبِرُوا وَاحْتَسِبُوا مَا نَزَلَ بِكُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ

 

 

 

.



 

 

 

 

 

سابعًا : لا مفر ولا حماية لأحد من الموت :

قال تعالى

(( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ))

وقال تعالى

(( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))

وقال تعالى :

(( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ))

فالموت حتم في موعده المقدر . ولا علاقة له بالحرب والسلم . ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته . ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذًا ؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده . .

هذا أمر وذاك أمر؛ ولا علاقة بينهما .

إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل . بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد . . وليست هنالك علاقة أخرى . . ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال . ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال !

كما أن كل إنسان مهما بلغت قوته أو جبروته أو حمايته فإنه مقهور مربوب لله تعالى لا يستطيع الامتناع أو أن يحمي نفسه من نفاذ قدر الله تعالى فيه ..

فما هم فيه من عزة ومنعة كما يتخيلون هو يمثابة الهباء المنثور .. ولا قيمة له أمام أمر الله تعالى وقوته وجبروته .

فهو سبحانه ((القاهر فوق عباده)) .. لا يمتنع منه أحد



ثامنًا : الموت مخلوق من مخلوقات الله تعالى  :

قال تعالى :

(( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ))

قال ابن كثير :

((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ)) واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق.

ومعنى الآية : أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملاً

كما قال (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)) فسمى الحال الأول -وهو العدم- موتًا، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال ((ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)) .

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ ، فَيُنَادِي مُنَادٍ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ، ثُمَّ يُنَادِي : يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ، ثُمَّ قَرَأَ : "وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ" ، وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ، "وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ" ))

وهذا الحديث أيضًا يدل على أن الموت مخلوق وأن الله تعالى يجعل له هيئة يتعرف بها الناس عليه يوم القيامة ، ويدل أيضًا على أن الله تعالى يقضي على الموت بالنهاية ، وبعدها يكون الخلود لأهل الجنة وأهل النار .



تاسعًا : اختصاص الله تبارك وتعالى بعلم الآجال ومكان الموت :

قال تعالى :

(( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))

قال ابن كثير :

ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض ، أفي بحر ، أم بر ، أو سهل أو جبل .

قال السعدي :

قد تقرر أن اللّه تعالى أحاط علمه بالغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، وقد يطلع اللّه عباده على كثير من الأمور الغيبية، وهذه الأمور الخمسة، من الأمور التي طوى علمها عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب ، فضلا عن غيرهما

فقال (( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ )) أي: يعلم متى مرساها

كما قال تعالى (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً )) الآية.

(( وَيُنزلُ الْغَيْثَ )) أي: هو المنفرد بإنزاله، وعلم وقت نزوله.

(( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ )) فهو الذي أنشأ ما فيها، وعلم ما هو، هل هو ذكر أم أنثى، ولهذا يسأل الملك الموكل بالأرحام ربه: هل هو ذكر أم أنثى؟ فيقضي اللّه ما يشاء.

(( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا )) من كسب دينها ودنياها .

(( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ )) بل اللّه تعالى ، هو المختص بعلم ذلك جميعه.

ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال (( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك .

 

وفي الحديث : عن عَبْدِ اللَّهِ بن عمر : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" ))

 

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا كَانَ أَجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ ، أَوْثَبَتْهُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ ، فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ ، قَبَضَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، فَتَقُولُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي ))

 

وعن أبي عزة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إذا أراد الله قبض عبد بأرض ، جعل له فيها حاجة ))

 

وعن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ما جعل الله ميتَة عبد بأرض ، إلا جعل له فيها حاجة ))



 

الملك الموكل بقبض الأرواح

 

نؤمن بأن الله تعالى وكل ملكًا لقبض الأرواح ، وجعل له أعوانًا من الملائكة يعملون معه  كما ذكر الله تعالى في عدة مواضع من القرآن أن هناك ملائكة تقوم بنزع الروح من الجسد ، وكما صح في حديث البراء أنهم يخلصون الروح من الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم انتزعها ملك الموت .

واسم هذا الملك (( ملك الموت )) كما ذكر الله تعالى ، وهذا هو الصحيح في اسمه ولم يصح غير هذا .

قال تعالى :

((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ))

وقال تعالى :

((وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ))

قال الإمام الطبري :

عن قَتادة:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) قال: ملك الموت يتوفاكم، ومعه أعوان من الملائكة.

عن مجاهد قوله :

(يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ) قال: حويت له الأرض فجُعلت له مثل الطست يتناول منها حيث يشاء ، وعن مجاهد، بنحوه.

 

 

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :

قوله تعالى : (( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ ))

ظاهره هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين ، وهذا هو المشهور ، وقد جاء في بعض الآثار أن اسمه عزرائيل (لا تصح التسمية بذلك ولا تثبت) .

وقد بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد كقوله تعالى :

((إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ))

وقوله تعالى ((فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ))

وقوله تعالى ((وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ))

وقوله تعالى ((حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ))  إلى غير ذلك من الآيات .

وإيضاح هذا عند أهل العلم أن الموكل يقبض الأرواح ملك واحد ، هو المذكور هنا ، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم ، فيأخذها ملك الموت ، أو يعينونه إعانة غير ذلك .

وقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه :

« أن ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها إلى السماء وقد بين فيه صلى الله عليه وسلم ما تعامل به روح المؤمن وروح الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك الموت حين يأخذها من البدن » وحديث البراء المذكور صححه غير واحد ، وأوضح ابن القيم في كتاب الروح بطلان تضعيف ابن حزم له .

 

والحاصل :

أن حديث البراء المذكور ، دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين يأخذون من يده الروح ، حين يأخذه من بدن الميت .

وأما قوله تعالى ((الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَاَ))  فلا إشكال فيه ، لأن الملائكة لا يقدرون أن يتوفوا أحداً إلا بمشيئته جل وعلا ((وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً))

فتحصل :

أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله هنا ((قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ)) لأنه هو المأمور بقبض الأرواح .

وأن إسناده لملائكة في قوله تعالى ((فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)) ونحوها من الآيات ، لأن لملك الموت أعواناً يعملون بأمره .

وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى ((الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا)) لأن كل شيء كائناً ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره . والعلم عند الله تعالى .

وورد في الحديث :

عن أبي هُرَيْرَةَ َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام فَقَالَ لَهُ : أَجِبْ رَبَّكَ ، قَالَ : فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا ، قَالَ : فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ : إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ الْحَيَاةَ تُرِيدُ ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً ، قَالَ : ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ : ثُمَّ تَمُوتُ ، قَالَ : فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ ، رَبِّ أَمِتْنِي مِنْ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ ))

 



 

تعريف الموت

هُوَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَيَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ )) كما سبق بيانه .

وعند الموت يتم انتزاع الروح من الجسد ، وبه تتم مفارقة الروح للجسد ، وبعده تصير الروح إلى خالقها عز وجل ، فيجعلها الله تعالى حيث شاء من النعيم أو العذاب .. ويرجع الجسد إلى الأرض من حيث خلقه الله تعالى .

كما قال عز وجل ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ))

 

والموت ليس معناه العدم أو الفناء :

بل هو مرحلة جديدة يدخل فيها الإنسان وهي المرحلة البرزخية .

قال تعالى

((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ))

قال ابن كثير :

وفي قوله ((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ)) تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال ((مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ))  وقال ((وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ))

وقوله ((إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث (فلا يزال معذبا فيها) أي : في الأرض.انتهى

 

وقال السعدي :

((وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته.انتهى

 

فالموت ليس نهاية الإنسان .. بل هو انتقال إلى مرحلة أخرى فيها حياة من نوع آخر يجازى فيها على عمله .. ويقع فيها النعيم أو العذاب على الروح والجسد ، وكيفية هذه الأمور وكيفية سريانها وكيفة العلاقة بين الروح والجسد وغير ذلك من الأمور لا يعلم كيفيتها إلا الله تعالى ، إنما نؤمن بما جاء في الكتاب والسنة ، فعالم الآخرة عمومًا لا يدرك بالإحساس البشري الدنيوي .. وإذا انتقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى علم ما فيها وجرت عليه الأحكام .

 

 

 

 

 



 

 

عدد موتات الإنسان

قال تعالى :

((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))

قال ابن كثير :

يقول تعالى محتجًا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ)) أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره

((وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)) أي قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود

كما قال تعالى ((أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ))

وقال ((هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا))  والآيات في هذا كثيرة.

عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه :

((قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ))  قال: هي التي في البقرة ((وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ))

وعن ابن عباس :

((كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)) : أمواتا في أصلاب آبائكم ، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله ((رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ))

وعن ابن عباس في قوله : ((رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)) قال :

كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله ((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ))

وهذا هو الصحيح في تفسير الآية .

وقال الشيخ السعدي مؤيدًا نفس التفسير :

ثم قال تعالى (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ))

هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله; الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال آجالكم; ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون; فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وبره; وتحت أوامره الدينية; ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة ؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه.

 

 

 

 

 



 

 

هل هناك من يموت أو يعيش أكثر من مرتين ؟

كما مر أن كل إنسان يموت مرتين ويحيا مرتين .. وهذا في جميع أبناء آدم عليه السلام ..

ولكن هناك استثناء لهذه القاعدة حيث أن هناك أقوام أضاف الله لهم موتة ثالثة وحياة ثالثة .. وهؤلاء جاء ذكرهم في القرآن والسنة

 

الموضع الأول من سورة البقرة :

(( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ))

وهؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الأعراف :

((وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ))

بعد الحدث الجلل الذي حصل في غيبة موسى وذلك هو عبادة بني إسرائيل العجل واتخاذهم له إلهاً فإن الله تعالى وقت لموسى وقتاً يأتيه فيه مع خيار بني إسرائيل يطلب لهم التوبة من الله سبحانه وتعالى . قال تعالى ((واختار موسى قومه سبعين رجلاً)) ولما انتهى بهم إلى جبل الطور وغشيت الجبل غمامة وأخذ موسى يناجي ربه تعالى وهم يسمعون قالوا لموسى لن نؤمن لك بأن الذي كان يكلمك الرب تعالى حتى نرى الله جهرة أي عياناً ، فأخذتهم الصاعقة والرجفة كما ذكر الله تعالى ، فماتوا جميعًا عقوبة لهم على هذا التطاول والتعنت والجراءة على الله تبارك وتعالى .

فلما ماتوا رغب موسى عليه السلام إلى الله تعالى ودعاه ، فمنَّ الله تعالى عليهم فأحياهم بعد أن أماتهم هذه الموتة

فهؤلاء القوم من الذين استثناهم الله فأماتهم ثلاثًا وأحياهم ثلاثًا .

الموضع الثاني من سورة البقرة :

قال تعالى :

(( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ))

قام أحد اليهود بقتل أحد أقاربه ليرث منه ، وتنازع الناس واختلفوا فيمن قتله ، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة وهي المذكور قصتها في السورة ، وأمرهم أن يضربوه ببعض أجزاء هذه البقرة بعد ذبحها ، فأحيا الله لهم الميت ، وأخبر عن قاتله .. فهذا ممن كانت له حياة وموتًا ثالثًا .

 

الموضع الثالث من سورة البقرة :

قال تعالى :

(( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ، وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ))

يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول ألم ينته إلى علمك قصة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت وهم ألوف وهم أهل مدينة من مدن بني إسرائيل أصابها الله تعالى بمرض الطاعون ففروا هاربين بين الموت فأماتهم الله عن آخرهم ثم أحياهم بدعوة نبيهم حِزقيل عليه السلام ، فهل أنجاهم فرارهم من الموت

فكذلك من يفر من القتال هل ينجيه فراره من الموت؟

والجواب : لا

وإذاً فلم الفرار من الجهاد إذا تعينّ ؟

وفي تأديب تلك الجماعة بإماتتها ثم بإحيائها فضل من الله عليها عظيم ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون .

وإذاً فقاتلوا أيها المسلمون في سبيل الله ولا تتأخروا متى دعيتم إلى الجهاد بالنفس والمال ، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وأعمالكم فاحذروه .

فهذه عدة ألوف كتب الله لها الموت والحياة للمرة الثالثة

 

الموضع الرابع من سورة البقرة :

قال تعالى (( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))

وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء فقال :

(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) أي قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها، فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة، فوقف عليها ذلك الرجل متعجباً

و(قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) استبعادا لذلك وجهلاً بقدرة الله تعالى

فلما أراد الله به خيرا أراه آية في نفسه وفي حماره ، وكان معه طعام وشراب

(فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم) استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته

فقيل له (بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) أي: لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه، ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد، مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادًا

(وانظر إلى حمارك) وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله

(ولنجعلك آية للناس) على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم، لتكون أنموذجًا محسوسًا مشاهدًا بالأبصار، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل

(وانظر إلى العظام كيف ننشزها) أي ندخل بعضها في بعض، ونركب بعضها ببعض (ثم نكسوها لحما) فنظر إليها عيانًا كما وصفها الله تعالى

(فلما تبين له) ذلك وعلم قدرة الله تعالى (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير)

 

والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرًا ، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه :

أحدها : قوله (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) ولو كان نبياً أو عبداً صالحاً لم يقل ذلك

والثاني : أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه فيقر بما أنكره

ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها، ولا في السياق ما يدل على ذلك، ولا في ذلك كثير فائدة

ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها ؟!

وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله

والثالث : في قوله (فلما تبين له) أي تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه

فعلم بذلك صحة ما ذكرناه ، والله أعلم.

 

فهذا الرجل جعل الله له موتًا وحياة ثالثة .

 

 

 

الموضع الخامس من سورة آل عمران :

قال تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام : (( وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ))

فكان من معجزات نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى ، فمن أحياه الله على يديه يكون قد تمت له موتة ثالثة وحياة ثالثة .

 

الموضع السادس : حديث الشفاعة :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَما أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ :

فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا ، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ

فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قِيلَ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحَبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : كَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ بِالْبَادِيَةِ ))  .

فهولاء أيضًا ممن كان لهم الموت والحياة ثلاث مرات .

قال النووي :

وَأَمَّا قَوْله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَكِنْ نَاس أَصَابَتْهُمْ النَّار)إِلَى آخِره .

فَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْمُذْنِبِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ يُمِيتهُمْ اللَّه تَعَالَى إِمَاتَة بَعْد أَنْ يُعَذَّبُوا الْمُدَّة الَّتِي أَرَادَهَا اللَّه تَعَالَى .

وَهَذِهِ الإِمَاتَة إِمَاتَة حَقِيقِيَّة يَذْهَب مَعَهَا الإِحْسَاس وَيَكُون عَذَابهمْ عَلَى قَدْر ذُنُوبهمْ ، ثُمَّ يُمِيتهُمْ ، ثُمَّ يَكُونُونَ مَحْبُوسِينَ فِي النَّار مِنْ غَيْر إِحْسَاس الْمُدَّة الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّه تَعَالَى ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار مَوْتَى قَدْ صَارُوا فَحْمًا

فَيُحْمَلُونَ ضَبَائِر كَمَا تُحْمَل الأَمْتِعَة وَيُلْقَوْنَ عَلَى أَنْهَار الْجَنَّة فَيُصَبّ عَلَيْهِمْ مَاء الْحَيَاة وَيَنْبُتُونَ نَبَات الْحَبَّة فِي حَمِيل السَّيْل فِي سُرْعَة نَبَاتهَا وَضَعْفهَا ، فَتَخْرُج لِضَعْفِهَا صَفْرَاء مُلْتَوِيَة ثُمَّ تَشْتَدّ قُوَّتهمْ بَعْد ذَلِكَ وَيَصِيرُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ وَتَكْمُل أَحْوَالهمْ،فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر مِنْ لَفْظ الْحَدِيث وَمَعْنَاهُ .ا.هـ

الموضع السابع : حديث ابن المهاجرة :

عن أنس رضي الله عنه قال :

كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ ، فأضاف المرأة إلى النساء ، وأضاف ابنها إلينا

فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة ، فمرض أياماً ثم قبض ، فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه

فلما أردنا أن نغسله قال : يا أنس ائت أمه فأعلمها

فأعلمتها  ، قال : فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت :

اللهم إني أسلمت لك طوعًا ، وخالفت الأوثان زهدًا ، وهاجرت لك رغبة ، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان ، ولا تحملني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحملها

قال : فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، وحتى هلكت أمه .



الحث على تذكر الموت

يستحب وينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الموت وتذكره ، وذلك حتى يكون دائمًا مستعدًا له بالابتعاد عن الذنوب ، وتجديد التوبة ، ورد المظالم ، والإقبال على الطاعات بصدق وإخلاص وخشوع .. فليس أعون على الاستقامة من تذكر الموت والخوف من العاقبة .. وأضر شيء على الإنسان من التسويف وطول الأمل فهما يؤديان إلى الغفلة والإهمال .

والعاقل من جعل الموت نصب عينه ، وتصور حضور أجله ، فيستعد إلى ما يصير إليه ويعمل على أن يخرج من الدنيا وقد سَلِمَ له دينه وإيمانه ، وتزود من الأعمال الصالحة فهي التي تكون معه في قبره

فإن بداية الذهاب إلى الدار الآخرة هي لحظات الموت (( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ))

قال المليباري :

وهذه الفكرة واجبة على كافة الخلق وهي على الملوك وأهل الدنيا أوجب لأنهم كثيراً ما أزعجوا قلوب الخلق وأدخلوا في قلوبهم الرعب فإن الحقِّ تعالى ذكره ملاكاً يعرف بملك الموت لا مهرب لأحد من مطالبته ونشبته وكل موكلي الملوك يأخذون جعلهم ذهباً وطعاماً، وهذا الوكيل لا يأخذ سوى الروح جعلاً وسائر موكلي السلاطين تنفع عندهم الشفاعة وهذا الموكل لا تنفع عنده شفاعة شافع وجميع الموكلين يمهلون من يوكلون به اليوم والساعة وهذا الموكل لا يهمل نفساً واحداً.

تجهز إلى الأجداث ويحك والرمس

 

جهازاً من التقوى لأطول ما حبس

 

 

فإنك لا تدري إذا كنت مصبحاً

بأحسن ما ترجو لعلك لا تمسي

 

سأتعب نفسي كي أصادف راحة

فإن هوان النفس أكرم للنفس

 

وأزهد في الدنيا فإن مقيمها

كظاعنها ما أشبه اليوم بالأمس

 

 

فعلى الإنسان تذكر الموت دائمًا ، وأن يجعل ذكره بين يديه ، فيمتنع عن المعاصي ويصلح من نفسه بالطاعات .. ولا تكن عبد الله من الذين قال الله فيهم :

(( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ))

فهؤلاء عاشوا في اللهو والغفلة فلما عاينوا الموت ندموا ، وطلبوا الرجوع للدنيا ثانية ليحصلوا الأعمال الصالحة .. ولكن ندموا حين لا ينفع الندم .

 

وتذكر الموت سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

(( زَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ ))

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، يَعْنِي الْمَوْتَ ))

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اسْتَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، فَإِنَّهُ مَا ذَكَرُهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إلا وَسَّعَهُ اللَّهُ ، وَلا ذَكَرُهُ فِي سَعَةٍ إلا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ ))

قَالَ الطيبي : شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ , ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا , يَشْتَغِلَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ .ا.هـ

 

عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ :

(( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى ثُمَّ قَالَ : يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا ))

 

وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ :

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ .

قَالَ أُبَيٌّ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي ؟

فَقَالَ : مَا شِئْتَ . قَالَ قُلْتُ : الرُّبُعَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : النِّصْفَ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قَالَ قُلْتُ : فَالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا ؟ قَالَ : إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ ))

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ : أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

قَوْلُهُ : ( اِسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) أَيْ حَيَاءً ثَابِتًا لازِمًا صَادِقًا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ ، وَقِيلَ أَيْ اِتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ

( قُلْنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي ) لَمْ يَقُولُوا حَقَّ الْحَيَاءِ اِعْتِرَافًا بِالْعَجْزِ عَنْهُ ( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ) أَيْ عَلَى تَوْفِيقِنَا بِهِ

( قَالَ لَيْسَ ذَاكَ ) أَيْ لَيْسَ حَقَّ الْحَيَاءِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ جَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَمَّا لا يَرْضَى

( وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ ) أَيْ عَنْ اِسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ بِأَنْ لا تَسْجُدَ لِغَيْرِهِ وَلا تُصَلِّيَ لِلرِّيَاءِ وَلا تَخْضَعَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلا تَرْفَعَهُ تَكَبُّرًا ( وَمَا وَعَى ) أَيْ جَمَعَهُ الرَّأْسُ مِنْ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالأُذُنِ عَمَّا لا يَحِلُّ اِسْتِعْمَالُهُ

( وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ ) أَيْ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ ( وَمَا حَوَى ) أَيْ مَا اِتَّصَلَ اِجْتِمَاعُهُ بِهِ مِنْ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ , فَإِنَّ هَذِهِ الأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ , وَحِفْظُهَا بِأَنْ لا تَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعَاصِي بَلْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى

( وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ بَلِيَ الشَّيْءُ إِذَا صَارَ خَلَقًا مُتَفَتِّتًا يَعْنِي تَتَذَكَّرَ صَيْرُورَتَك فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بِالْبَيِّنَةِ

( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ) فَإِنَّهُمَا لا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى لِلأَقْوِيَاءِ قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : لأَنَّهُمَا ضَرَّتَانِ فَمَتَى أَرْضَيْت إِحْدَاهُمَا أَغْضَبْت الأُخْرَى ( فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :

(( أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ )) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ .

وعنه ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ )

وعنه : (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، واعدد نفسك في الموتى وأهل القبور ))

قَالَ الطِّيبِيُّ : لَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّخْيِيرِ وَالإِبَاحَة , وَالأَحْسَن أَنْ تَكُون بِمَعْنَى بَلْ , فَشَبَّهَ النَّاسِك السَّالِك بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَن يَأْوِيه وَلا مَسْكَن يَسْكُنهُ , ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ إِلَى عَابِر السَّبِيل لأَنَّ الْغَرِيب قَدْ يَسْكُن فِي بَلَد الْغُرْبَة بِخِلافِ عَابِر السَّبِيل الْقَاصِد لِبَلَدٍ شَاسِع وَبَيْنهمَا أَوْدِيَة مُرْدِيَة وَمَفَاوِز مُهْلِكَة وَقُطَّاع طَرِيق فَإِنَّ مَنْ شَأْنه أَنْ لا يُقِيم لَحْظَة وَلا يَسْكُن لَمْحَة

وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " إِذَا أَمْسَيْت فَلا تَنْتَظِر الصَّبَاح إِلَخْ " وَبِقَوْلِهِ " وَعُدَّ نَفْسك فِي أَهْل الْقُبُور " وَالْمَعْنَى اِسْتَمِرَّ سَائِرًا وَلا تَفْتُر , فَإِنَّك إِنْ قَصَّرْت اِنْقَطَعْت وَهَلَكْت فِي تِلْكَ الأَوْدِيَة , وَهَذَا مَعْنَى الْمُشَبَّه بِهِ

وَأَمَّا الْمُشَبَّه فَهُوَ قَوْله " وَخُذْ مِنْ صِحَّتك لِمَرَضِك " أَيْ أَنَّ الْعُمُر لا يَخْلُو عَنْ صِحَّة وَمَرَض , فَإِذَا كُنْت صَحِيحًا فَسِرْ سَيْر الْقَصْد وَزِدْ عَلَيْهِ بِقَدْرِ قُوَّتك مَا دَامَتْ فِيك قُوَّة بِحَيْثُ تَكُون مَا بِك مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَة قَائِمًا مَقَام مَا لَعَلَّهُ يُفَوِّت حَالَة الْمَرَض وَالضَّعْف .

وَقَالَ اِبْن بَطَّال : لَمَّا كَانَ الْغَرِيب قَلِيل الانْبِسَاط إِلَى النَّاس بَلْ هُوَ مُسْتَوْحِش مِنْهُمْ إِذْ لا يَكَاد يَمُرّ بِمَنْ يَعْرِفهُ مُسْتَأْنِس بِهِ فَهُوَ ذَلِيل فِي نَفْسه خَائِف , وَكَذَلِكَ عَابِر السَّبِيل لا يَنْفُذ فِي سَفَره إِلا بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ وَتَخْفِيفه مِنْ الأَثْقَال غَيْر مُتَثَبِّت بِمَا يَمْنَعهُ مِنْ قَطْع سَفَره مَعَهُ زَاده وَرَاحِلَته يُبَلِّغَانِهِ إِلَى بُغْيَته مِنْ قَصْده شَبَّهَهُ بِهِمَا , وَفِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى إِيثَار الزُّهْد فِي الدُّنْيَا وَأَخْذ الْبُلْغَة مِنْهَا وَالْكَفَاف , فَكَمَا لا يَحْتَاج الْمُسَافِر إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ إِلَى غَايَة سَفَره فَكَذَلِكَ لا يَحْتَاج الْمُؤْمِن فِي الدُّنْيَا إِلَى أَكْثَر مِمَّا يُبَلِّغهُ الْمَحَلّ .

وَقَالَ غَيْره : هَذَا الْحَدِيث أَصْل فِي الْحَثّ عَلَى الْفَرَاغ عَنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيهَا وَالاحْتِقَار لَهَا وَالْقَنَاعَة فِيهَا بِالْبُلْغَةِ .

وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا وَلا تَتَّخِذهَا وَطَنًا وَلا تُحَدِّث نَفْسك بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَلا تَتَعَلَّق مِنْهَا بِمَا لا يَتَعَلَّق بِهِ الْغَرِيب فِي غَيْر وَطَنه .

وَقَالَ غَيْره : عَابِر السَّبِيل هُوَ الْمَارّ عَلَى الطَّرِيق طَالِبًا وَطَنه , فَالْمَرْء فِي الدُّنْيَا كَعَبْدٍ أَرْسَلَهُ سَيِّده فِي حَاجَة إِلَى غَيْر بَلَده , فَشَأْنه أَنْ يُبَادِر بِفِعْلِ مَا أُرْسِلَ فِيهِ ثُمَّ يَعُود إِلَى وَطَنه وَلا يَتَعَلَّق بِشَيْءٍ غَيْر مَا هُوَ فِيهِ

قَوْله ( وَخُذْ مِنْ صِحَّتك ) أَيْ زَمَن صِحَّتك ( لِمَرَضِك ) فِي رِوَايَة لَيْث " لِسَقَمِك " وَالْمَعْنَى اِشْتَغِلْ فِي الصِّحَّة بِالطَّاعَةِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ تَقْصِير فِي الْمَرَض لا يُجْبَر بِذَلِكَ .

قَوْله ( وَمِنْ حَيَاتك لِمَوْتِك ) فِي رِوَايَة لَيْث " قَبْل مَوْتك " وَزَادَ " فَإِنَّك لا تَدْرِي يَا عَبْد اللَّه مَا اِسْمك غَدًا " أَيْ هَلْ يُقَال لَهُ شَقِيّ أَوْ سَعِيد , وَلَمْ يُرِدْ اِسْمه الْخَاصّ بِهِ فَإِنَّهُ لا يَتَغَيَّر . وَقِيلَ الْمُرَاد هَلْ هُوَ حَيّ أَوْ مَيِّت .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : كَلام اِبْن عُمَر مُنْتَزَع مِنْ الْحَدِيث الْمَرْفُوع , وَهُوَ مُتَضَمِّن لِنِهَايَةِ قِصَر الأَمَل وَأَنَّ الْعَاقِل يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَمْسَى لا يَنْتَظِر الصَّبَاح وَإِذَا أَصْبَحَ لا يَنْتَظِر الْمَسَاء , بَلْ يَظُنّ أَنَّ أَجَله مُدْرِكه قَبْل ذَلِكَ .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

(( مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقُلْتُ : خُصٌّ لَنَا وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أُرَى الأَمْرَ إِلا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ))

قَوْله ( نُعَالِج ) نُصْلِح ( خُصًّا ) أَيْ بَيْتًا مِنْ قَصَب

(وَهيَ) مِنْ وَهَى الْحَائِط يَهِي إِذَا ضَعُفَ وَهَمَّ بِالسُّقُوطِ

( مَا أَرَى الأَمْر ) أَيْ أَمْر الْمَوْت عَلَى وَجْه الاحْتِمَال فَلا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الاشْتِغَال بِمَا يُتْعِبهُ عَلَى كُلّ حَال أَوْ الْمُرَاد أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَرَى أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَشْتَغِل بِشَيْءٍ لا يُنْتَفَع بِهِ أَصْلاً وَلَيْسَ الْمُرَاد إِخْبَاره جَزْمًا بِأَنْ يَكُون مَوْتك قَرِيبًا .

عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ :

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ ؟

قَالَ : إِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ ، وَلا تَكَلَّمْ بِكَلامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ ، وَأَجْمِعْ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ))

عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ :

(( كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ، قَالَ : فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا ، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ ذهبوا بشرف الدنيا و كرامة الآخرة ))

الكيس : يعني الفطنة والذكاء فيكون أذكى الناس عقلاً ، وأحسنهم فطنة ، من تذكر الموت واستعد وعمل له ولما بعده بالعمل الصالح .

عن أبي الدرداء حين حضرته الوفاة قال : أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، واعدد نفسك في الموتى وإياك و دعوة المظلوم فإنها تستجاب ، ومن استطاع أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبوا فليفعل ))

 

عن أبي سلمة قال :

(( قال معاذ : قلت : يا رسول الله أوصني قال اعبد الله كأنك تراه ، واعدد نفسك في الموتى واذكر الله عند كل حجر و عند كل شجر و إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر والعلانية بالعلانية ))

 

وعن معاذ رضي الله عنه قال :

(( يا رسول الله أوصني ، قال : اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا وأشار بيده إلى لسانه ))

 

وجاء موقوفًا عن زيد بن أرقم قال :

"اعبد الله كأنك تراه ، فإن كنت لا تراه فإنه يراك ، واحسب نفسك في الموتي ، واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة"

 

وقال أبو الدرداء :

« ابن آدم اعمل كأنك تراه ، واعدد نفسك في الموتى ، واتق دعوة المظلوم »

 

عن حميد بن هلال قال :

أوخي بين سلمان وأبي الدرداء ، فسكن أبو الدرداء بالشام ، وسكن سلمان الكوفة ، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان : سلام عليك ، أما بعد : فإن الله قد رزقني بعدك مالا وولدا ، وأنزلت الأرض المقدسة . قال : فكتب سلمان إليه : سلام عليك ، أما بعد ، فإنك كتبت إلي أن الله رزقك بعدي مالا وولدا ، وإن الخير ليس بكثرة المال والولد ، ولكن الخير أن يعظم حلمك ، وأن ينفعك علمك ، وكتبت إلي بأنك نزلت الأرض المقدسة ، وإن الأرض لا تعمل لأحد ، فاعمل كأنك ترى ، واعدد نفسك في الموتى

 

وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه :

(( أخوف ما أخاف عليكم اثنان:طول الأمل واتباع الهوى ألا إن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصدك عن الحق ))

فطول الأمل يورث أربعة أشياء :

الأول : ترك الطاعة والكسل فيها يقول سوف أفعل والأيام بين يدي .

والثاني : ترك التوبة وتسويفها يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة وأنا شاب وسني قليل والتوبة بين يدي وأنا قادر عليها متى أردتها .

والثالث : الحرص على جمع الأموال والاشتغال بالدنيا عن الآخرة يقول أخاف الفقر في الكبر وربما أضعف عن الاكتساب ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرض أو هرم أو فقر هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها والاهتمام للرزق

الرابع : القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر .

فيقسو القلب فبسبب طول الأمل تقل الطاعة وتتأخر التوبة وتكثر المعصية ويشتد الحرص ويقسو القلب وتعظم الغفلة فتذهب والعياذ باللّه إن لم يرحم اللّه فأي حال أسوأ من هذه وأي آفة أعظم من هذه، وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت ومفاجأته والقبر والثواب والعقاب وأحوال الآخرة .

 

 



فصل

 

في وصف

لحظات الموت

 

وسؤال الملكين

 

 

شدة الموت

 

قال الله تعالى

(( كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ))

(كَلا إِذَا بَلَغَتِ) يعني النفس

(التَّرَاقِيَ) فحشرج بها عند الموت، و"التراقي" جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت.

(وَقِيلَ) أي قال من حضره الموت هل "من راق" هل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه برقيته أو دوائه.

وقال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا.

وقال سليمان التيمي، ومقاتل بن سليمان : هذا من قول الملائكة، يقول بعضهم لبعض: من يرقى بروحه؟ فتصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب.

(وَظَن) أيقن الذين بلغت روحه التراقي (أَنَّهُ الْفِرَاقُ) من الدنيا.

(( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ )) قال قتادة : الشدة بالشدة .

قال عطاء : شدة الموت بشدة الآخرة .

قال سعيد بن جبير : تتابعت عليه الشدائد .

قال السدي: لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه.

قال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة، فكان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة.

وقال مجاهد: اجتمع فيه الحياة والموت.

وقال الضحاك: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه.

وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفَّتَا في الكفن. وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) أي مرجع العباد يومئذ إلى الله يساقون إليه.

 

قال الله تعالى

(( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ))

أي جاء الموت بشدته وغمراته التي تذهب العقول وتذهل الفطن ، وعاين الإنسان أمور الآخرة ، ونزلت إليه الملائكة لنزع روحه من جسده ، فعندئذ إذا تكون معاينة الأهوال ..

(( ذلك ما كنت منه تحيد )) هذا الموت الذي كنت منه تحيد أي تهرب وتفزع

قال سيد قطب رحمه الله :

(( وجاءت سكرة الموت بالحق . ذلك ما كنت منه تحيد ))

والموت أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه ، أو يبعد شبحه عن خاطره . ولكن أنى له ذلك : والموت طالب لا يمل الطلب ، ولا يبطئ الخطى ، ولا يخلف الميعاد ... وذكر سكرة الموت كفيل برجفة تدب في الأوصال !

وبينما المشهد معروض يسمع الإنسان : (( ذلك ما كنت منه تحيد ))

وإنه ليرجف لصداها وهو بعد في عالم الحياة !

فكيف به حين تقال له وهو يعاني السكرات !

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول : « سبحان الله . إن للموت لسكرات » .

يقولها وهو قد اختار الرفيق الأعلى واشتاق إلى لقاء الله . فكيف بمن عداه؟

ويلفت النظر في التعبير ذكر كلمة الحق : (( وجاءت سكرة الموت بالحق ))

وهي توحي بأن النفس البشرية ترى الحق كاملاً وهي في سكرات الموت . تراه بلا حجاب ، وتدرك منه ما كانت تجهل وما كانت تجحد

ولكن بعد فوات الأوان حين لا تنفع رؤية ، ولا يجدي إدراك ، ولا تقبل توبة ، ولا يحسب إيمان . وذلك الحق هو الذي كذبوا به فانتهوا إلى الأمر المريج ! . . وحين يدركونه ويصدقون به لا يجدي شيئاً ولا يفيد .

 

عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ :

(( إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ :

لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ

ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ))

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : الْعُلْبَةُ مِنْ الْخَشَبِ ، وَالرَّكْوَةُ مِنْ الأَدَمِ

 

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

(( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ ))

( سَكَرَاتِ الْمَوْتِ ) أَيْ شَدَائِدِهِ جَمْعُ سَكْرَةٍ بِسُكُونِ الْكَافِ وَهِيَ شِدَّةُ الْمَوْتِ .

وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ((وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)) إِنَّ سَكْرَتَهُ شِدَّتُهُ الذَّاهِبَةُ بِالْعَقْلِ اِنْتَهَى .

 

 

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

(( مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي ، فَلا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :

(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ ، كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا ))

وذلك حين اشتداد المرض على النبي صلى الله عليه وسلم في موته .

 

عَنْ أَنَسٍ قَالَ :

(( لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلام : وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ : لَهَا لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ : يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلام : يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ ))

الْمُرَاد بِالْكَرْبِ : مَا كَانَ يَجِدهُ صلى الله عليه وسلم مِنْ شِدَّة الْمَوْت , وَكَانَ فِيمَا يُصِيب جَسَده مِنْ الآلام كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَف لَهُ الأَجْر .

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ :

(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا أَوْ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا ، قَالَ : فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))

قَوْله : ( وَنَفْسه تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّة ) الشَّنَّة الْقِرْبَة الْبَالِيَة وَمَعْنَاهُ لَهَا صَوْت وَحَشْرَجَة كَصَوْتِ الْمَاء إِذَا أُلْقِيَ فِي الْقِرْبَة الْبَالِيَة ، وهذا هو الشاهد من الحديث الدال على شدة الموت .

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَمْ يَلْقَ ابْنُ آدَمَ شَيْئًا قَطُّ مُذْ خَلَقَهُ اللَّهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ ، ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ لأَهْوَنُ مِمَّا بَعْدَهُ))

 

عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( لَوْ تَعْلَمِينَ عَلِمَ الْمَوْتِ يَا ابْنَةَ زَمْعَةَ عَلِمْتِ أَنَّهُ أَشَدَّ مِمَّا تُقَدِّرِينَ ))

 

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آخِرُ شِدَّةٍ يَلْقَاهَا الْمُؤْمِنُ الْمَوْتُ .

وقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز :

مَا أُحِبُّ أَنْ يُهَوَّن عَلَيَّ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ إِنَّهُ لآخِرُ مَا يُكَفَّر بِهِ عَنْ الْمُؤْمِنِ .

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :

(( مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُمْنَا مَعَهُ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا ))

ومن المعلوم أن حكم القيام للجنائز قد تم نسخه .

 

قال عطاء السليمي  :

« كنت أشتهي الموت وأتمناه فأتاني آت في منامي فقال : يا عطاء أتتمنى الموت ؟ فقلت : إن ذاك قال : فتقلب في وجهي ثم قال : لو عرفت شدة الموت وكربه حتى يخالط قلبك معرفته لطار نومك أيام حياتك ولذهل عقلك حتى تمشي في الناس وَالهاً قال عطاء :

طوبى لمن نفعه عيشه فكان طول عمره زيادة في عمله ، ما أرى عطاء كذلك ، ثم بكى »

إن الشدائد أنواع منوعة وإن أعظم شدة يقع فيها الإنسان ما يكون من شدة الموت عند فراق المألوف واستقبال المخوف فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته وحياته عرفه سبحانه في حال شدته عند وفاته فهون الأمر عليه وأحسن له الخاتمة وانتقل من الدنيا على أحسن حال . وأما إن كان معرضًا عن الله لم يزده الرخاء إلا بطرًا وبعدًا عن الله تعالى فحري بأن يكله الله إلى نفسه ويتخلى عنه حال شدائده فتحيط به سيئاته ويموت على أسوأ حال وأخبث مآل

نسأل الله العلي القدير أن يتوفانا مؤمنين وهو راضٍ عنا ويحسن لنا الخاتمة

ذكر الآيات التي وردت في كتاب الله تعالى

وهي تصف حالة الاحتضار

 

حالة احتضار الظالمين

قال تعالى : (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ .. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ))

لما ذم الظالمين، ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ))

أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكُرَبه الشنيعة لرأيت أمرًا هائلاً وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها.

((وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ))

إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، وتعصيها للخروج من الأبدان

((أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ))

أي : العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب

((بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)) من كذبكم عليه، وردكم للحق، الذي جاءت به الرسل.

((وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)) أي: تَرَفَّعون عن الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها.وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه، فإن هذا الخطاب، والعذاب الموجه إليهم، إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده.

وفيه دليل، على أن الروح جسم، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ.

وأما يوم القيامة، فإنهم إذا وردوها، وردوها مفلسين فرادى بلا أهل ولا مال، ولا أولاد ولا جنود، ولا أنصار، كما خلقهم الله أول مرة، عارين من كل شيء.

 



 

وقال تعالى :

(( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ))

أي لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) بنسبة الشريك له، أو النقص له، أو التقول عليه ما لم يقل ، وهذا الصنف نراه اليوم كثيرًا ممن ينسب نفسه للعلم والدعوة وهم يكذبون على الله تعالى لإرضاء أسيادهم ومرؤسيهم بقول الزور وبالعمل به وبتضليل الناس وتعبيدهم لغير الله ، ويزعمون أن ذلك من الدين ، كالذين شرعوا تجريم من يدعو إلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والذين أنكروا آيات الحجاب لترويج الإباحية ، والذين ادعوا النبوة والرسالة لأسيادهم لنيبل رضاههم وحث الناس على السمع والطاعة لهم في باطلهم ، والذين أفتوا بحل دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ورموهم زورًا وبهتانًا بالكفر والضلال .. وهذا الصنف من أئمة الضلالة الذين يتقولون على الله ويفترون على دينه بفتاواهم الضالة هم ممن يكذبون على الله

( أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) الواضحة المبينة للحق المبين، الهادية إلى الصراط المستقيم، فهؤلاء وإن تمتعوا بالدنيا، ونالهم نصيبهم مما كان مكتوبا لهم في اللوح المحفوظ، فليس ذلك بمغن عنهم شيئا، يتمتعون قليلا ثم يعذبون طويلاً

( حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) أي: الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء آجالهم.

( قَالُوا ) لهم في تلك الحالة توبيخاً وعتاباً ( أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) من الأصنام والأوثان والرؤوساء والسادة والملوك ، فقد جاء وقت الحاجة إن كان فيها منفعة لكم أو دفع مضرة.

( قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) أي: اضمحلوا وبطلوا، وليسوا مغنين عنا من عذاب اللّه من شيء.

لذلك فإن الله تعالى يذكر بعد هذه الآية الكريمة أحوال هذه الأصناف هم وأسيادهم يوم القيامة فالعذاب متصل من حين قبض الأرواح وحتى دخول النار :

قال تعالى (( قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ))

 



 

وقال تعالى :

((الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ))

هذا مشهد مهيب .. يصف لحظات الاحتضار .. حين تأتي الملائكة لتقبض أرواح الذين ظلموا أنفسهم ، وضلوا ، وصدوا عن سبيل الله تعالى ، وكلمة الظلم تشمل جميع الجرائم التي ارتكبوها في حق الله تبارك وتعالى بمخالفة شرعه ، وفي حق أنفسهم ، وفي حق العباد ..

أهل الظلم حين يرون الملائكة أمام أعينهم وما أتت به هذه الملائكة من غضب وعذاب ، يلقون السلم ، ويستسلمون تمامًا ، ولكنهم وهم في هذه الحالة لا ينتهون عن الظلم ويستمرون في الكذب والخداع فيقولون ((مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ))

فتجيبهم الملائكة ((بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) فالله قد أحاط بكم وبأعمالكم علمًا لا يخفي عليه منكم شيء ، وفي هذه اللحظة تبدأ المجازاة بهذه الأعمال .. فلقد انتهت المهلة .. وانقطعت التوبة .. والآن

((فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا)) والفاء هنا للتعقيب فبمجرد قبض الروح وفي نفس اللحظة ودون إمهال ولو لطرفة عين ادخلوا نار جهنم من الآن تعانون منها ومن عذابها وأنتم في قبوركم ، وتبعثون يوم القيامة وأنتم من أهلها فيستمر عليكم العذاب في البرزخ ويوم القيامة .. لا يتوقف ولا ينتهي ((فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) الذين تكبروا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى شريعته وعلى عباده المؤمنين ، فلم يقبلوا الحق ولم ينقادوا له .. بل حاربوا وجادلوا واستهزئوا .. فلبئس مثوى المتكبرين .



وقال تعالى : (( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ))

يخبر تعالى عن حال من حضره الموت، من المفرطين الظالمين، أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك يقول (( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ)) من العمل وفرطت في جنب الله.

(( كَلا)) أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون

(( إِنَّهَا )) أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا (( كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا )) أي: مجرد قول باللسان، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضا غير صادق في ذلك، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه.

(( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )) أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته.



قال تعالى : (( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ))

عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاةٌ، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال سأتلوا عليك بذلك قرآناً ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.



 

حالة احتضار المؤمنين

قال تعالى (( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ))

هذه الآيات تصف حال احتضار المؤمنين الصالحين ، ولكن قبل أن يصف الله حالة احتضارهم ، يصف الحال التي كانوا عليها في الدنيا ، وأنها هي التي أدت بهم لتلك الحالة الكريمة عند الموت .. فقال تعالى :

(( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ))

فهذه حالهم في الدنيا : اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله عليها، فعلموها وعملوا لها (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) في عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله فلهم (فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور.

(وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ) من هذه الدار وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه نعيمها قليل محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة ولهذا قال (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ)

أي: مهما تمنته أنفسهم وتعلقت به إرادتهم حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم.

( كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات المتعلقة بالقلب والبدن واللسان من حقه وحق عباده، وترك ما نهاهم الله عنه ....

ثم بعد ذلك وصف الله حال هذه الفئة الطيبة الممنة حين الاحتضار :

((الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))

(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) مستمرين على تقواهم

(طَيِّبِينَ) أي : طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس يتطرق إليهم ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه .

(يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ) أي : التحية الكاملة حاصلة لكم والسلامة من كل آفة.

وقد سلمتم من كل ما تكرهون (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك العمل حصل لهم برحمة الله ومنته عليهم لا بحولهم وقوتهم.

 



 

وقال تعالى

(( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أن لا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ))

يخبر تعالى عن أوليائه ، وفي ضمن ذلك تنشيطهم والحث على الاقتداء بهم

فقال ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) أي اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى واستسلموا لأمره ثم استقاموا على الصراط المستقيم، علمًا وعملا فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

( تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) الكرام، أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار.

( أَلا تَخَافُوا ) على ما يستقبل من أمركم ( وَلا تَحْزَنُوا ) على ما مضى ، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل

( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) فإنها قد وجبت لكم وثبتت ، وكان وعد الله مفعولاً

ويقولون لهم أيضاً مثبتين لهم ومبشرين ( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف، وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) ويقولون لهم أيضاً ( وَلَكُمْ فِيهَا ) أي : في الجنة

( مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) قد أعد وهيئ .

( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

( نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم المقيم، نزلٌ وضيافة ( مِنْ غَفُورٍ ) غفر لكم السيئات ( رَحِيمٍ ) حيث وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم. فبمغفرته أزال عنكم المحذور ، وبرحمته ، أنالكم المطلوب .



 

وقال تعالى مخبرًا عن أصناف الناس حين ساعة الاحتضار

(( فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ))

ذكر الله تعالى أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار القرار.

ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار والموت، فقال :

(1) المقربون

( فَأَمَّا إِنْ كَانَ ) الميت ( مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات.

( فـ ) لهم ( رَوْحٌ ) أي: راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح

( وَرَيْحَانٌ ) وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام

( وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور.

(2) أصحاب اليمين :

وقوله ( وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، وإن حصل منهم التقصير في بعض الحقوق التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم ،  فـ يقال لأحدهم ( سَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) أي : سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين أي: يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات والبليات والعذاب، لأنك من أصحاب اليمين، الذين سلموا من الذنوب الموبقات.

(3) المكذبون الضالون

( وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ) أي: الذين كذبوا بالحق وضلوا عن الهدى.

( فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) أي: ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا استغاثوا من شدة العطش والظمأ ( يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا )

( إِنَّ هَذَا ) الذي ذكره الله تعالى ، من جزاء العباد بأعمالهم ، خيرها وشرها ، وتفاصيل ذلك ( لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) أي: الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو الحق الثابت الذي لا بد من وقوعه، وقد أشهد الله عباده الأدلة القواطع على ذلك، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ذائقون له مشاهدون له فحمدوا الله تعالى على ما خصهم به من هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة.

ولهذا قال تعالى ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) فسبحان ربنا العظيم، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ، والحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيباً مباركا فيه.

محبة لقاء الله عند الموت

 

عَنْ أَبِي مُوسَى : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( قَالَ اللَّهُ إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ ))

 

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ .

فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ؟

فَقَالَ : لَيْسَ كَذَلِكِ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))

 

عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ

فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ : إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ ؟

قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ .

وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))

فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام :

(( بَشِّرْ بِرَحْمَةِ اللَّه وَرِضْوَانه وَجَنَّتِهِ ))

وَفِي حَدِيث حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس :

(( وَلَكِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا حُضِرَ جَاءَهُ الْبَشِيرُ مِنْ اللَّه وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُون قَدْ لَقِيَ اللَّه فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))

وَفِي رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى :

(( وَلَكِنَّهُ إِذَا حَضَرَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ فَإِذَا بُشِّرَ بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ ))

 

قَوْله ( فَلَيْسَ شَيْء أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مَا يَسْتَقْبِلُهُ بَعْد الْمَوْت

قال الإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْن سَلام : لَيْسَ وَجْهُهُ عِنْدِي كَرَاهَةَ الْمَوْتِ وَشِدَّتَهُ لأَنَّ هَذَا لا يَكَاد يَخْلُو عَنْهُ أَحَدٌ وَلَكِنَّ الْمَذْمُومَ مِنْ ذَلِكَ إِيثَارُ الدُّنْيَا وَالرُّكُون إِلَيْهَا وَكَرَاهِيَةُ أَنْ يَصِير إِلَى اللَّه وَالدَّار الآخِرَة .

قَالَ : وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَابَ قَوْمًا بِحُبِّ الْحَيَاة فَقَالَ ( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا )

وَقَالَ النَّوَوِيّ : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْمَحَبَّة وَالْكَرَاهَة الَّتِي تُعْتَبَر شَرْعًا هِيَ الَّتِي تَقَع عِنْد النَّزْعِ فِي الْحَالَة الَّتِي لا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ حَيْثُ يُكْشَفُ الْحَالُ لِلْمُحْتَضِرِ وَيَظْهَرُ لَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ .

قَوْله ( بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَعُقُوبَتِهِ ) فِي رِوَايَة سَعْد بْن هِشَام : (( بَشِّرْ بِعَذَابِ اللَّه وَسَخَطِهِ )) وَفِي رِوَايَة حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس : (( وَإِنَّ الْكَافِرَ أَوْ الْفَاجِرَ إِذَا جَاءَهُ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ السُّوءِ ، أَوْ مَا يَلْقَى مِنْ الشَّرِّ إِلَخْ )) .ا.هـ

حديث جليل عظيم

في لحظات انتزاع الروح وسؤال القبر

 

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ :

(( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ

فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبْرِ ( مستقبل القبلة ) وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَهُوَ يُلْحَدُ لَهُ ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ

(فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً)

فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ثَلاثَ مِرَارٍ (فَقَالَ : اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا ) ثُمَّ قَالَ :

إِنَّ العبد الْمُؤْمِنَ :

إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا تَنَزَّلَتْ إِلَيْهِ الْمَلائِكَةُ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمْ الشَّمْسَ (كأن وجوههم كالشمس)

مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ فَجَلَسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ .

ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ :

أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ (المطمئنة) اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ

فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا ، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ .

فذلك قوله تعالى : "توفته رسلنا وهم لا يفرطون"

وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ .

( فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟

فَيَقُولُونَ : فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ) .

 

فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ قَالُوا : رَبِّ عَبْدُكَ فُلانٌ .

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى .

(( وما أدراك ما عليون ، كتاب مرقوم يشهده المقربون ))

فيكتب كتابه في عليين" ، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ .

قالَ : فَإِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مدبرين .

فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ  (شديدا الانتهار فينتهرانه) فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟

فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ .

فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟

فَيَقُولُ : دِينِيَ الإِسْلامُ .

فَيَقُولانِ لَهُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟

فَيَقُولُ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَيَقُولانِ لَهُ : وَمَا عِلْمُكَ ؟

فَيَقُولُ : قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ .

( فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ مَا دِينُكَ ؟ مَنْ نَبِيُّكَ ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ"

فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ ، وَدِينِيَ الإِسْلامُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَيَقُولُ لَهُ : صَدَقْتَ .

فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ :

أَنْ صَدَقَ عَبْدِي ، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ .

وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ ( أَبْشِرْ بِكَرَامَةٍ مِنْ اللَّهِ وَنَعِيمٍ مُقِيمٍ ) ( أبشر برضوان من الله ، وجنات فيها نعيم مقيم )

فَيَقُولُ لَهُ : وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ .

فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ (فوالله ما علمتك) كُنْتَ وَاللَّهِ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا .

ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ وَبَابٌ مِنْ النَّارِ ، فَيُقَالُ : هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ عَصَيْتَ اللَّهَ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ هَذَا ، فَإِذَا رَأَى مَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ : رَبِّ عَجِّلْ قِيَامَ السَّاعَةِ (رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ )كَيْمَا أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي .

فَيُقَالُ لَهُ : اسْكُنْ .

 

قَالَ صلى الله عليه وسلم : وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ ( العبد الفاجر ) :

إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ غِلاظٌ شِدَادٌ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ (من النار) فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ( فَانْتَزَعُوا رُوحَهُ كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الْكَثِيرُ الشِّعْبِ مِنْ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ )

ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ :

أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ .

قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثير الشعب مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ ( فَيَنْتَزِعُهَا تَتَقَطَّعُ مَعَهَا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ )

فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ( فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ )

فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا : مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ ؟ فَيَقُولُونَ : فُلانُ بْنُ فُلانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ ، فَلا يُفْتَحُ لَهُ .

ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ))

( وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ لا تَعْرُجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ ، فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ ، قَالُوا : رَبِّ فُلانُ بْنُ فُلانٍ عَبْدُكَ ؟ )

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :

اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ ، فِي الأَرْضِ السُّفْلَى ، ( أَرْجِعُوهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى )

فَتُطْرَحُ رُوحُهُ من السماء طَرْحًا حتى تقع في جسده ثُمَّ قَرَأَ :

(( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ))

(فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) ، قالَ : فَإِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ .

وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ شديدا الانتهار، فينتهرانه فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟

فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي .

فَيَقُولانِ لَهُ : مَا دِينُكَ ؟

فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي .

فَيَقُولانِ لَهُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟

فلا يهتدي لاسمه .

فيقال : محمد .

فَيَقُولُ : هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي ، سمعت الناس يقولون ذلك .

فَيَقُولان : لا دَرَيْتَ وَلا تَلَوْتَ .

فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ

وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ ، قَبِيحُ الثِّيَابِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ ( أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنْ اللَّهِ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ ) .

فَيَقُولُ : وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ

فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ (فوالله ما علمتك إلا )كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا .

ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلا الثَّقَلَيْنِ ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ ، فَيَقُولُ : رَبِّ لا تُقِمْ السَّاعَةَ ))



شرح بعض كلمات الحديث

(يلحد) : اللحد هو حفرة مائلة داخل القبر يوضع فيها الميت .

(ينكت) أي يضرب ضربًا خفيفًا

(الحنوط) : عطر يُطَيَّبُ به الميت

(مِنْ فِي السِّقَاءِ) أي من فم السقاء ، والسقاء هو الوعاء الذي يوضع فيه الماء ، أي أن روحه تخرج في سهولة ويسر دون أي مشقة ، كما يخرج الماء من فتحة الوعاء بسهولة .

(أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ ) : عَرَجَ في الدَرجة والسلَّم يَعْرُج عُروجاً، إذا ارْتَقى ، والمراد أن الملائكة تتمنى صعود روح العبد الصالح من ناحيتهم ، بعكس روح الكافر أو الفاجر فينفرون منها ، ويدعون الله تعالى أن لا تمر عليهم .

(اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ) : أي في موضع يسمى عليين ، كما قال عز وجل ((كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ))

والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع؛ ولهذا قال معظما أمره ومفخما شأنه :

( وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون ) ثم قال مؤكدا لما كتب لهم: ( كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) وهم الملائكة ، قاله قتادة.

وقال العوفي عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها .ا.هـ

 

(المسوح) : كساء من الشعر والليف الخشن يكفن فيه .

(السفود) حديدة ذات شعب معقفة .

(الجيفة) جثة الميت إذا أنتنت

(حتى يلج الجمل في سم الخياط ) : الولوج : الدخول ، سم : أي فتحة ، الخياط : الأبرة

أي هذا الصنف يستحيل أن يدخل إلى السماء أو أن تفتح لهم أبوابها ، كما يستحيل أن يدخل الجمل في فتحة الأبرة التي يخاط بها .

 

وفي الحديث : أن الله تعالى يجعل الأعمال الصالحة التي يعملها العبد الصالح في الدنيا في صورة إنسان يبشره بالخير .

وكذلك بالنسبة للعبد الفاجر أو الكافر يجعل له أعماله السيئة في صورة إنسان قبيح يبشره بالشر ..

كما أن في الحديث :

أن بداية الموت للعبد الصالح تتوالى عليه الخيرات والبشريات ويلقى الحفاوة والترحيب ويبشر بالجنة والسعادة ورضوان الله تعالى عليه وصلاة الملائكة الكرامة إلى غير ذلك من أنواع الخير الذي لا ينقطع .... فالموت هنا هو بداية السعادة والنعيم .. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم .

 

على عكس الكافر والفاجر الشقي التعيس عياذًا بالله العلي الكبير من أحوالهم :

فيكون بداية الموت بالنسبة له هي بداية الشرور والتعاسة والعذاب والهوان ويلاقي كل بلاء وفتنة وتتنزل عليه اللعنات ويبوء بسخط الله تعالى عليه والملائكة ، ولا تفتح له أبواب السماء ولا تزال تتوالى عليه البلايا والرزايا .. فالموت بداية تعاسته وعذابه وشقاءه .

تنبيه هام جدًا

قال تعالى : (( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ )) .. وفي الحديث السابق : (اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ)

فالآية والحديث يتكلمان عن كتاب .. أي كتاب العبد الذي كتبت فيه أعماله وسعيه في الدنيا ، وهذا الكتاب يتم وضعه في عليين .. حتى يكون يوم القيامة ، يتم توزيع هذه الكتب على أصحابها كما قال الله تعالى : (( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ،وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ))

فالذي يوضع في هذا الموضع الرفيع المقام (( عليون )) هو كتاب العبد

(كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب ، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به .

والكلام في الآية والحديث عن الكتاب .. وليست الأرواح ..

وفي الحديث تباين واضح : فأولاً يقول تعالى : اكتبوا كتاب عبدي في عليين

وبعد سؤال الملكين : فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي ، فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ .

فالكتاب في عليين في مقام رفيع يشهده المقربون من عباد الله ، والعبد تكون روحه في الجنة يسري عليه نعيمها ويجري عليه رزقها

والفرق واضح بين الكلام عن كل واحد منهما فالكلام أولاً : عن كتاب أعمال العبد ومكانه .. وثانيًا : عن روح العبد ومكانها .

فأرواح المؤمنين فتكون في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء .. وقد يطلق على أنه في العلو من حيث الجهة  ، لأن الجنة كذلك ..

 

فيكون كتاب الأعمال في عليين في ذلك المكان المخصوص

وتكون الأرواح في مكان آخر غير السابق .. في الجنة

 

ثم إن الكتب تحفظ في عليين لحين توزيعها عليهم يوم القيامة .

كما قال تعالى

(( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ  ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ))

كذلك الأمر في حق الكفار والفجار :

فقد قال الله تعالى : (( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ ))   .. وفي الحديث السابق : (( فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ ، فِي الأَرْضِ السُّفْلَى ))

فهنا الكلام على أن كتاب الفجار يكون في أسفل مكان وأضيقه ، الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم الخبيثة وسعيهم الضال في الدنيا

ويأتي التباين في الحديث بعد سؤال الملكين : ((فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا))

فالكتاب يكون في الأرض السفلى في الموضع المسمى بسجين .

والأرواح في النار تعذب في حياتها البرزخية كما قال تعالى عن قوم نوح (( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ))

ويوم القيامة توزع عليهم هذه الكتب ليجازون بما فيه فيستلمون بشمالهم كما قال تعالى (( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ))

فكتب أهل الجنة المكتوب فيها أعمالهم : تحفظ في عليين لحين توزع عليهم يوم القيامة

وكتب أهل النار المكتوب فيها أعمالهم : تحفظ في سجين لحين توزع عليهم يوم القيامة .

وأرواح المؤمنين يسري عليها النعمة من الله في الجنة ، وأرواح الكافرين يسري عليها العذاب من الله في النار

ويوم القيامة يرد الله تعالى الأرواح جميعًا إلى أجساد أصحابها ، ويجازون على أعمالهم المسجلة والمحفوظة في كتبهم .

فالخلاصة : هي إثبات أن عليين وسجين موضعان لكتاب العبد ، والجنة والنار موضعان لروح العبد .. والله تعالى أعلم .

نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوفانا على الإيمان وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين وأن يرزقنا عفوه ورضاه في الدنيا والآخرة .

قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : أرواح الكفار في النار وأرواح المؤمنين في الجنة .



أحاديث أخرى في وصف لحظات الموت

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا :

اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ ، فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ

ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا ، فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : فُلانٌ ، فَيُقَالُ : مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ، ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ ، فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .

وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ : اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً ، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ، فَلا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَلا يُفْتَحُ لَهَا

فَيُقَالُ : مَنْ هَذَا ؟ فَيُقَالُ : فُلانٌ ، فَيُقَالُ : لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا لا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَيُرْسَلُ بِهَا مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ ))

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

(( إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا ، فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ : وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ :

رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ : انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ .

قَالَ : وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ ، وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ : رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ ، فَيُقَالُ : انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ .

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا))

( ثُمَّ يَقُول اِنْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِر الأَجَل ) يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد إِلَى اِنْقِضَاء أَجَل الدُّنْيَا ، أو الذهاب بروح المؤمن إلى الجنة ، وبروح الكافر إلى النار .

( فَرَدَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَة كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفه ) هُوَ ثَوْب رَقِيق , وَقِيلَ : هِيَ الْمُلاءَة , وَكَانَ سَبَب رَدّهَا عَلَى الْأَنْف بِسَبَبِ مَا ذَكَرَ مِنْ نَتْن رِيح رُوح الْكَافِر .

شخوص بصر الميت يتبع روحه :

عن أبي هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَلَمْ تَرَوْا الإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ))

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( شَخَصَ بَصَره ) بِفَتْحِ الْخَاء أَيْ اِرْتَفَعَ وَلَمْ يَرْتَدّ .

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَتْبَع بَصَره نَفْسه ) الْمُرَاد بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوح

قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ أَنَّ الْمَوْت لَيْسَ بِإِفْنَاءٍ وَإِعْدَام , وَإِنَّمَا هُوَ اِنْتِقَال وَتَغَيُّر حَال وَإِعْدَام الْجَسَد دُون الرُّوح إِلا مَا اِسْتَثْنَى مِنْ عَجْب الذَّنَب

قَالَ : وَفِيهِ حُجَّة لِمَنْ يَقُول : الرُّوح وَالنَّفْس بِمَعْنًى .

 

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ :

(( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ : لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ))

( وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ ) قَالَ الْقَاضِي : قَالَ صَاحِب الأَفْعَال : يُقَال شَقَّ بَصَر الْمَيِّت وَشَقَّ الْمَيِّت بَصَره وَمَعْنَاهُ شَخَصَ كَمَا فِي الرِّوَايَة الأُخْرَى

وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت فِي الإِصْلاح , وَالْجَوْهَرِيّ حِكَايَة عَنْ اِبْن السِّكِّيت : يُقَال : شَقَّ بَصَر الْمَيِّت وَلا تَقُلْ : شَقَّ الْمَيِّت بَصَره , وَهُوَ الَّذِي حَضَرَهُ الْمَوْت , وَصَارَ يَنْظُر إِلَى الشَّيْء لا يَرْتَدّ إِلَيْهِ طَرَفه .

( فَأَغْمَضَهُ ) دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب إِغْمَاض الْمَيِّت , وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ . قَالُوا : وَالْحِكْمَة فِيهِ أَلا يَقْبُح بِمَنْظَرِهِ لَوْ تَرَكَ إِغْمَاضه .

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرُّوح إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَر ) مَعْنَاهُ إِذَا خَرَجَ الرُّوح مِنْ الْجَسَد يَتْبَعهُ الْبَصَر نَاظِرًا أَيْنَ يَذْهَب وَفِي ( الرُّوح ) لُغَتَانِ وَالتَّأْنِيث وَهَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِلتَّذْكِيرِ , وَفِيهِ دَلِيل لِمَذْهَبِ أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الرُّوح أَجْسَام لَطِيفَة مُتَخَلِّلَة فِي الْبَدَن , وَتَذْهَب الْحَيَاة مِنْ الْجَسَد بِذَهَابِهَا وَلَيْسَ عَرْضًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ , وَلا دَمًا كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ , وَفِيهَا كَلام مُتَشَعِّب لِلْمُتَكَلِّمِينَ .

قلت : والصحيح في أمر الروح أنها من العلم الذي استأثر الله به ، كما قال تعالى ((قل الروح من أمر ربي .. الآية )) وقد سبق الكلام على هذه المسألة .

 

وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْبَيْتِ ))

ما يقوله الميت حين تحمل جنازته :

 

عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ : قَدِّمُونِي .

وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ : يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا ، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلا الإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ ))

 

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ :

(( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ : لا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا وَلا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ وَأَسْرِعُوا بِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

"إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ : قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي ، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ يَا وَيْلَي أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي )) وفي رواية : (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ أَسْرِعُوا بِي وَإِذَا وُضِعَ الْكَافِرُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ وَيْلاَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي ))

 

ما يتبع الإنسان بعد موته :

عن أَنَس بْنَ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ : يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ ))

قَوْله ( يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ ) هَذَا يَقَع فِي الأَغْلَب وَرُبَّ مَيِّتٍ لا يَتْبَعُهُ إِلا عَمَلُهُ فَقَطْ

وَالْمُرَادُ مَنْ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَرُفْقَتِهِ وَدَوَابِّهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ وَإِذَا اِنْقَضَى أَمْرُ الْحُزْنِ عَلَيْهِ رَجَعُوا , سَوَاءٌ أَقَامُوا بَعْدَ الدَّفْنِ أَمْ لا .

وَمَعْنَى بَقَاءِ عَمَلِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرَ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ عِنْد أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ " وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ حَسَنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِاَلَّذِي يَسُرُّك فَيَقُول : مَنْ أَنْتَ ؟ فَيَقُول أَنَا عَمَلك الصَّالِح " وَقَالَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ " وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ " الْحَدِيثَ وَفِيهِ " بِاَلَّذِي يَسُوءُك وَفِيهِ عَمَلُك الْخَبِيثُ "

 

 

مجموعة أخرى من الأحاديث في بيان

ما يحدث للعبد إذا وضع في قبره

 

عَنْ أَسْمَاءَ بنت أبي بكر رضي الله عنهما قَالَتْ :

أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي ، فَقُلْتُ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ، فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، قُلْتُ : آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الْغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي الْمَاءَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :

(( مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، يُقَالُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاثًا فَيُقَالُ : نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ : لا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ ))

 

وقال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَقُولُ :

(( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا الْمَرْءُ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً ))

 

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ

أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟

فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ

فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا ، ويُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ – وفي رواية زيادة- سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُمْلأُ عَلَيْهِ خُضْرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟

فَيَقُولُ : لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ

فَيُقَالُ : لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ-وفي زيادة- يَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ ))

 

 

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

(( إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ نَخْلاً لِبَنِي النَّجَّارِ ، فَسَمِعَ صَوْتًا ، فَفَزِعَ ، فَقَالَ : مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ ؟

قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ

فَقَالَ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ

قَالُوا : وَمِمَّ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟

قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَإِنْ اللَّهُ هَدَاهُ قَالَ : كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا .

فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِي النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا بَيْتُكَ كَانَ لَكَ فِي النَّارِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِي فَيُقَالُ لَهُ : اسْكُنْ .

وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ لَهُ :

مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَيَقُولُ : لا أَدْرِي فَيُقَالُ لَهُ : لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ .

فَيُقَالُ لَهُ : فَمَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ .

فَيَضْرِبُهُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا الْخَلْقُ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ ))

 

وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ" ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَيُقَالُ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ : رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ" ))

 

الأعمال الصالحة تنفع العبد في قبره ، وتدفع عنه عذاب القبر

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إن الميت إذا وضع في قبره ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ مدبرين .

فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالصَّوْمُ عَنْ شِمَالِهِ ، وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ وَالْمَعْرُوفُ وَالإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ .

فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَتَقُولُ الصَّلاةُ : لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ .

فَيُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ : لَيْسَ مِنْ قِبَلِي مَدْخَلٌ .

ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ شِمَالِهِ ، فَيَقُولُ الصَّوْمُ : لَيْسَ مِنْ قِبَلِي مَدْخَلٌ .

ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ، فَيَقُولُ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ وَالْمَعْرُوفُ وَالإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ : لَيْسَ مِنْ قِبَلِي مَدْخَلٌ .

فَيُقَالُ لَهُ : اجْلِسْ ، فَيَجْلِسُ وَقَدْ مَثُلَتْ لَهُ الشَّمْسُ وقد دنت لِلْغُرُوبِ ، فَيُقَالَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ، فَصَدَّقْنَا وَاتَّبَعْنَا .

فَيُقَالُ لَهُ : صَدَقْتَ  وَعَلَى هَذَا حَيِيتَ ، وَعَلَى هَذَا مِتَّ ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ"

فَيُقَالُ : افْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ، فَيُقَالُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ عَصَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ

فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، وَيُقَالُ لَهُ : افْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيُفْتَحُ لَهُ ، فَيُقَالُ: هَذَا مَنْزِلُكَ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ ، فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، فَيُعَادُ الْجِلْدُ إِلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ ، وتُجْعَلُ رُوحُهُ فِي نَسَمِ طَيْرٍ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ .

وفي رواية :

فيقال له : أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه ؟

فيقول : دعوني حتى أصلي .

فيقولون : إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه ، أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه ؟

فيقول : محمد أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله

فيقال له : على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله .

ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له : هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسروراً .

ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له : هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا .ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه ويعاد الجسد كما بدأ منه فتجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة فذلك قوله :

"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" الآية .

وَأَمَّا الْكَافِرُ

فَيُؤْتَى فِي قَبْرِهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَلا يُوجَدْ شَيْءٌ ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ فَلا يُوجَدُ شَيْءٌ ، فَيَجْلِسُ خَائِفًا مَرْعُوبًا ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟ وَمَا تَشْهَدُ بِهِ ؟

فيقول : أي رجل ، فَلا يَهْتَدِي لاسْمِهِ .

فَيُقَالُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَيَقُولُ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا ، فَقُلْتُ كَمَا قَالُوا

فَيُقَالُ لَهُ : صَدَقْتَ ، عَلَى هَذَا حَيِيتَ ، وَعَلَيْهِ مِتَّ ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَ :

" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا "

فَيُقَالُ : افْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ لَوْ أَنْتَ أَطَعْتَهُ ..فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وثُبُورًا .

ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : افْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَيْهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَنْزِلُكَ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ ، فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وثُبُورًا" ))

قَالَ أَبُو عُمَرَ: قُلْتُ لِحَمَّادِ بن سَلَمَةَ :

كَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ

قَالَ أَبُو عُمَرَ: كَأَنَّهُ يَشْهَدُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِهِ، كَانَ يَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَيَقُولُهُ .

 

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ :

(( جَاءَتْ يَهُودِيَّةٌ فَاسْتَطْعَمَتْ عَلَى بَابِي فَقَالَتْ : أَطْعِمُونِي أَعَاذَكُمْ اللَّهُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَمِنْ فِتْنَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ .

قَالَتْ : فَلَمْ أَزَلْ أَحْبِسُهَا حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ

قَالَ : وَمَا تَقُولُ ؟

قُلْتُ : تَقُولُ أَعَاذَكُمْ اللَّهُ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَمِنْ فِتْنَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ .

قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَمِنْ فِتْنَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ ثُمَّ قَالَ :

أَمَّا فِتْنَةُ الدَّجَّالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلا قَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ وَسَأُحَذِّرُكُمُوهُ تَحْذِيرًا لَمْ يُحَذِّرْهُ نَبِيٌّ أُمَّتَهُ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ .

فَأَمَّا فِتْنَةُ الْقَبْرِ : فَبِي تُفْتَنُونَ وَعَنِّي تُسْأَلُونَ .

فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلا مَشْعُوفٍ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : فِيمَ كُنْتَ ؟

فَيَقُولُ : فِي الإِسْلامِ .

فَيُقَالُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟

فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَصَدَّقْنَاهُ ، فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا .

فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا وَيُقَالُ عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مِتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السَّوْءُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا فَيُقَالُ لَهُ : فِيمَ كُنْتَ ؟

فَيَقُولُ : لا أَدْرِي

فَيُقَالُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟

فَيَقُولُ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُ كَمَا قَالُوا .

فَتُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ : انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكَ

ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا كُنْتَ عَلَى الشَّكِّ وَعَلَيْهِ مِتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُعَذَّبُ ))

 

 

 

 

 



 

صورة طيبة لأهل الإيمان والصلاة حين يوضع في قبره

 

عَنْ جَابِرٍ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا دَخَلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ ، مُثِّلَتْ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا ، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ : دَعُونِي أُصَلِّي ))

أي تصورت له الشمس .. وهكذا ينفع الإيمان والعمل الصالح صاحبه ، فمن داوم على الصلاة وحافظ عليها كان هذا حاله عندما يغلق عليه قبره ..

 



 

ومن صور تلقي الملائكة للروح :

 

عن حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( تَلَقَّتْ الْمَلائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالُوا : أَعَمِلْتَ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا فَأَقْبَلُ مِنْ الْمُوسِرِ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمُعْسِرِ (كُنْت أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ) ، قَالَ : فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ ))

قَوْله ( تَلَقَّتْ الْمَلائِكَةُ ) أَيْ اِسْتَقْبَلَتْ رُوحَهُ عِنْد الْمَوْتِ

وَفِي رِوَايَة : (( أَنَّ رَجُلاً كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ ))

 



 

ذكر أسماء الملائكة الموكلة بسؤال القبر وصفتهم

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ ، أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا : الْمُنْكَرُ ، وَالآخَرُ : النَّكِيرُ

فَيَقُولانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟

فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

فَيَقُولانِ : قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : نَمْ .

فَيَقُولُ : أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ .

فَيَقُولانِ : نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لا يُوقِظُهُ إِلا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ

وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لا أَدْرِي .

فَيَقُولانِ : قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ .

فَيُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ فَلا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ ))

( يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ ) مَفْعُولٌ مِنْ أَنْكَرَ بِمَعْنَى نَكِرَ ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا

( وَلِلْآخَرِ النَّكِيرُ )فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ مِنْ نَكِرَ بِالْكَسْرِ ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ

فَهُمَا كِلَاهُمَا ضِدُّ الْمَعْرُوفِ سُمِّيَا بِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَعْرِفْهُمَا وَلَمْ يَرَ صُورَةً مِثْلَ صُورَتِهِمَا.

وقال المناوي : منكر ونكير بفتح كاف الأول وكلاهما ضد المعروف سميا به لأنهما لا يشبه خلقهما خلق آدمي ولا ملك ولا غيرهما وهما أسودان أزرقان .

جمع الله تعالى للأبدان وسؤالها وإن تفرقت

أهل السنة يؤمنون بأن سؤال القبر ، وكذلك عذاب القبر ونعيمه ، يقعان لكل أحد مات ، وسواء تم دفنه في القبر ، أو احترق وصار رمادًا تذروه الرياح ، أو تمزق جسده وتفرق ، أو غرق في البحر ، حتى وإن أكلته الطيور والسباع .

فإن الله تعالى بقدرته يجمع هذا الإنسان مهما حدث له ، وتسأله الملائكة سؤال القبر ، ويجري عليه ما يستحقه من نعيم أو عذاب ، كما يكون الأمر في أهل القبور .

وثيت ذلك بالأحاديث الصحيحة :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَنَّ رَجُلاً كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ : أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرَ أَبٍ ، قَالَ : فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ فَفَعَلُوا ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ ؟ قَالَ : مَخَافَتُكَ فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ ))

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

ذَكَرَ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ سَلَفَ أَوْ قَبْلَكُمْ ، آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَوَلَدًا يَعْنِي أَعْطَاهُ ، فَلَمَّا حُضِرَ (أي حضره الموت) .

قَالَ لِبَنِيهِ : أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟

قَالُوا : خَيْرَ أَبٍ

قَالَ : فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا - فَسَّرَهَا قَتَادَةُ لَمْ يَدَّخِرْ - وَإِنْ يَقْدَمْ عَلَى اللَّهِ يُعَذِّبْهُ ، فَانْظُرُوا فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي حَتَّى إِذَا صِرْتُ فَحْمًا فَاسْحَقُونِي أَوْ قَالَ فَاسْهَكُونِي ، ثُمَّ إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ فَأَذْرُونِي فِيهَا

فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَبِّي ، فَفَعَلُوا .

فَقَالَ اللَّهُ : كُنْ .. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ .

ثُمَّ قَالَ : أَيْ عَبْدِي مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ ؟

قَالَ : مَخَافَتُكَ أَوْ فَرَقٌ مِنْكَ .

فَمَا تَلافَاهُ أَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ .

 

وهذا رجل آخر فعل نفس الفعل ، ولكنه غير الأول فالسابق أعطاه الله المال والولد ، والآتي كان نباشًا للقبور ، أي يفتح القبور ويسرق ما فيها

عن حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَمَّا أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا فَذَرُّونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَارٍّ أَوْ رَاحٍ ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ فَقَالَ : لِمَ فَعَلْتَ ؟ قَالَ : خَشْيَتَكَ ، فَغَفَرَ لَهُ ))

وفي رواية

(( كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ فَقَالَ : لأَهْلِهِ إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، فَفَعَلُوا بِهِ ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ ؟ قَالَ : مَا حَمَلَنِي إِلا مَخَافَتُكَ ، فَغَفَرَ لَهُ ))

وعنه :

(( إِنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ الْحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا جَزْلاً ثُمَّ أَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَ إِلَى عَظْمِي فَامْتَحَشَتْ فَخُذُوهَا فَاذْرُوهَا فِي الْيَمِّ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ قَالَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ، وَكَانَ نَبَّاشًا ))

 

وهذا آخر أسرف على نفسه بالذنوب

عن ابن مسعود وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلا التَّوْحِيدَ ، فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ لأَهْلِهِ انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ يُحْرِقُوهُ حَتَّى يَدَعُوهُ حُمَمًا ثُمَّ اطْحَنُوهُ ثُمَّ اذْرُوهُ فِي يَوْمِ رِيحٍ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ فَإِذَا هُوَ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ قَالَ أَيْ رَبِّ مِنْ مَخَافَتِكَ قَالَ فَغُفِرَ لَهُ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إِلا التَّوْحِيدَ))

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا ، فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ : اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ ، فَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ ، فَغَفَرَ لَهُ ))

 

وعنه :

(( قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، فَغَفَرَ لَهُ ))

( إِذَا أَنَا مُتّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اِطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي ) مِنْ قَوْله أَذْرَتْ الرِّيح الشَّيْء إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا , وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد " فِي يَوْم عَاصِف " أَيْ عَاصِف رِيحه , وَفِي حَدِيث مُعَاذ عِنْد مُسْلِم " فِي رِيح عَاصِف "

 

قال ابن بطال :

فإن قال قائل: كيف غفر لهذا الذي أوصى أهله بإحراقه وقد جهل قدرة الله على إحيائه، وذلك أنه قال « إن يقدر على الله يعذبني » وقال في رواية أخرى « فوالله لئن قدر الله علىَّ ليعذبني » .

قال الطبري : قيل: قد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث

فقال بعضهم :

أما ما كان من عفو الله عما كان منه في أيام صحتّه من المعاصي ؛ فلندمه عليها وتوبته منها عند موته، ولذلك أمر ولده بإحراقه وذروه في البر والبحر خشية من عقاب ربه والندم توبة، ومعنى رواية من روى:  « فوالله لئن قدر الله عليه » أي ضيق عليه، كقوله ((وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ)) وقوله ((وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ)) ، لم يرد بذلك وصف بارئه بالعجز عن إعادته حيًا، ويبين ذلك قوله في الحديث حين أحياه ربه  « قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب » . وبالخوف والتوبة نجا من عذابه عز وجل.

 

وقال آخرون في معنى قوله  « لئن قدر الله علىَّ » :

معناه القدرة التي هي خلاف العجز، وكان عنده أنه إذا أحرق وذرى في البر والبحر أعجز ربه عن إحيائه، قالوا: وإنما غفر له جهله بالقدرة؛ لأنه لم يكن تقدم من الله تعالى في ذلك الزمان بأنه لا يغفر الشرك به

وليس في العقل دليل على أن ذلك غير جائز فى حكمة الله؛ بل الدليل فيه على أنه ذو الفضل والإحسان والعفو عن أهل الآثام

وإنما نقول: لا يجوز أن يغفر الشرك بعد قوله تعالى ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ)) فأما جواز غفران الله ذلك لولا الخبر في كتابه فهو كان الأولى بفضله والأشبه بإحسانه لأنه لا يضره كفر كافر، ولا ينفعه إيمان مؤمن .

وقال آخرون :

بل غفر له وإن كان كفرًا من قوله ، من أجل أنه قاله على جهل منه بخطئه ؛ فظن أن ذلك صواب. قالوا : وغير جائز في عدل الله وحكمته أن يسّوى بين من أخطأ وهو يقصد الصواب، وبين من تعمّد الخطأ والعناد للحق في العقاب.

وقال آخرون :

إنما غفر له، وإن كان كفرًا ممن قصد قوله وهو يعقل ما يقول؛ لأنه قاله وهو لا يعقل ما يقول. وغير جائز وصف من نطق بكلمة كفر وهو لا يعلمها كفرًا بالكفر، وهذا قاله وقد غلب على فهمه من الجزع الذي كان لحقه لخوفه من عذاب الله تعالى وهذا نظير الخبر الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها فيقال له « إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها »  فيقول للفرح الذي يدخله « يا رب أنت عبدي وأنا ربك مرتين »  قالوا فهذا القول لو قاله على فهم منه بما يقول كان كفرًا، وإنما لم يكن منه كفرًا لأنه قاله وقد استخفه الفرح مريدًا به أن يقول: أنت ربى وأنا عبدك، فلم يكن مأخوذًا بما قال من ذلك.

ويشهد لصحة هذا المعنى قوله تعالى ((وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)) .

 

 

 



 

 

 

 

امتلاء القبور ظلمة على أهلها :

فهذه نصوص أخرى من السنة مما يكون في القبور ، وما يحدث للعباد فيها ، تصور فقر العبد وحاجته للعمل الصالح ودعوات الصالحين له

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

(( أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ ، فَقَالُوا : مَاتَ ، قَالَ : أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي ، قَالَ : فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ : دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ، فَدَلُّوهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ ))

(يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ) أي بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم ، وهذه سنة ينبغي الاستنان بها ، فينبغي الدعاء للموتى وزيارتهم والإكثار من الترحم عليهم وطلب المغفرة لهم .

عن هانئ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ :

كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ))

فهذا يبين أهوال القبر وشدته ، وأن أهل القبور أحوج ما يكون لمن يدعو لهم ، ويصلي عليهم ، ويطلب من الله لهم العفو والمغفرة والنجاة من ما فيه من ظلمات وأهوال .

ضغطة القبر

ضمَّةُ القبرِ هي أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ حين يوضعُ في قبرِه ، وقد جاءَ في النصوصِ ما يدلُّ على أنَّها عامةٌ لكل من يوضعُ في القبرِ ، ولا ينجو منها أحدٌ ، واللهُ المستعان .

عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ))

وعن ابن عباس :

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم دفن سعد بن معاذ وهو قاعد على قبره قال : لو نجا أحد من فتنة القبر ، أو مسألة القبر ، لنجا سعد بن معاذ ، ولقد ضم ضمة ثم أرخى عنه ))

 

وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا :

(( أَنَّ صَبِيًّا دُفِنَ ، فَقَالَ َ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لأَفْلَتَ هَذَا الصَّبِيُّ ))

وعن أنس :

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية فقال : لو كان نجا أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي ))

قال المناوي :

(لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي) قال الحكيم : إنما لم يفلت منها أحد لأن المؤمن أشرق نور الإيمان بصدره لكنه باشر الشهوات وهي من الأرض والأرض مطيعة وخلق الآدمي وأخذ عليه الميثاق في العبودية فيما نقض من وفائها صارت الأرض عليه واجدة فإذا وجدته ببطنها ضمته ضمة فتدركه الرحمة وعلى قدر مجيئها يخلص فإن كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين وقيل هي ضمة اشتياق لا ضمة سخط .

قال السندي :

ضَمَّة الْقَبْر وَضَغْطَته  : عَصْرُهُ وَزَحْمَتُهُ ، قِيلَ وَالْمُرَاد اِلْتِقَاء جَانِبَيْهِ عَلَى جَسَد الْمَيِّت ، قَالَ النَّسَفِيّ يُقَال إِنَّ ضَمَّة الْقَبْر إِنَّمَا أَصْلُهَا أَنَّهَا أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا رُدُّوا إِلَيْهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّة الْوَالِدَة غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا فَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا ضَمَّتْهُ بِرَأْفَةٍ وَرِفْقٍ وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سَخَطًا مِنْهَا عَلَيْهِ لِرَبِّهَا .

 



أول ما ينتن من الإنسان بطنه :

عَنْ طَرِيفٍ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَجُنْدَبًا وَأَصْحَابَهُ وَهُوَ يُوصِيهِمْ فَقَالُوا : هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ؟ قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ :

(( مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقْ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَقَالُوا : أَوْصِنَا فَقَالَ :

إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنْ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَأْكُلَ إِلا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ بِمِلْءِ كَفِّهِ مِنْ دَمٍ أَهْرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ ))

في الحديث الْحَثّ عَلَى الاكتساب مِنْ الْحَلَال , وَالنَّهْي عَنْ غَيْره . وَفِيهِ : أَنَّ الْمَشْرُوب وَالْمَأْكُول وَالْمَلْبُوس وَنَحْو ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَة فِيهِ



بلاء كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ::

(( مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ ، قَالَ : أَرْبَعُونَ يَوْمًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالَ : أَرْبَعُونَ شَهْرًا ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَبَيْتُ ، قَالَ : ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ ، لَيْسَ مِنْ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى إِلا عَظْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ ))

( مِنْهُ خُلِّقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ ) أَيْ أَوَّل مَا خُلِقَ مِنْ الإِنْسَان هُوَ ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُبْقِيه إِلَى أَنْ يُرَكِّبَ الْخَلْقَ مِنْهُ تَارَة أُخْرَى

وعنه : (( إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْمًا لا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَدًا ، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالُوا : أَيُّ عَظْمٍ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَجْبُ الذَّنَبِ ))

 

وَعَنْ أبي سعيد الخدري عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( يَأْكُلُ التُّرَابُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الإِنْسَانِ إِلا عَجْبَ ذَنَبِهِ ، قِيلَ : وَمِثْلُ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تَنْبُتُونَ ))

( أَبَيْتُ ) أَيْ اِمْتَنَعْت عَنْ الْقَوْل بِتَعْيِينِ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ تَوْقِيف ، فلا أَقُول مَا لَمْ أَسْمَع , وَبِالْفَتْحِ أَيْ أَنْ أَعْرِف ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْب .

وَزَعَمَ بَعْض الشُّرَّاح أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِم أَرْبَعِينَ سَنَة وَلا وُجُود لِذَلِكَ

وأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ " أَرْبَعُونَ سَنَة " وَهُوَ شَاذّ .

وَمِنْ وَجْه ضَعِيف عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ " مَا بَيْنَ النَّفْخَة وَالنَّفْخَة أَرْبَعُونَ سَنَة "

وَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَسْمَعهَا إِلا مُجْمَلَةً فَلِهَذَا قَالَ لِمَنْ عَيَّنَهَا لَهُ " أَبَيْت " . وَقَدْ أَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ . قَالُوا : أَرْبَعُونَ مَاذَا ؟ قَالَ : هَكَذَا سَمِعْت "

وَوَقَعَ فِي " جَامِع اِبْن وَهْب " أَرْبَعِينَ جُمْعَة , وَسَنَده مُنْقَطِع .

قَوْله ( وَيَبْلَى كُلّ شَيْء مِنْ الإِنْسَان إِلا عَجْب ذَنَبه , فِيهِ يُرَكَّب الْخَلْق )

وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عِنْدَ الْحَاكِمِ وَأَبِي يَعْلَى : (( قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَا عَجْب الذَّنَب ؟ قَالَ : مِثْل حَبَّة خَرْدَل ))

وَالْعَجْب وَيُقَال لَهُ " عَجْم " بِالْمِيمِ أَيْضًا عِوَض الْبَاء . وَهُوَ عَظْم لَطِيف فِي أَصْل الصُّلْب , وَهُوَ رَأْس الْعُصْعُص , وَهُوَ مَكَان رَأْس الذَّنَب مِنْ ذَوَات الأَرْبَع .

 

ويستثنى من ذلك أجساد الأنبياء عليهم السلام :

عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلام ، وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ ؟ أَيْ يَقُولُونَ قَدْ بَلِيتَ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلام ))

 

 

 

 

تلاقي الأرواح بعد الموت وتعارفها

وعرض أعمال الأحياء على أرواح المؤمنين

صحت الأحاديث أن روح المؤمن بعد موته تلتقي بأرواح المؤمنين الذين ماتوا قبله وأن هذه الأرواح تسأله عن من تركوهم في الدنيا وتستفسر عن أحوالهم وأخبارهم :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ : اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ ، فَيَقُولُونَ : مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنْ الأَرْضِ ، فكلما أتوا سماء قالوا ذلك .

فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ .

فَيَسْأَلُونَهُ (أي المؤمنون) : مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ ، مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ ؟

فَيَقُولُونَ : دَعُوهُ حتى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا .

فَإِذَا قَالَ (المؤمن الذي صعدت روحه حديثًا) ) : أَمَا أَتَاكُمْ ؟! فإنه قد مات .

قَالُوا : ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ .

وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ ، فَيَقُولُونَ : اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وسخطه ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ ، فينطلقون به حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ ، فَيَقُولُونَ : مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ ، كلما أتوا على أرض قالوا ذلك ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ ))

 

 

 

وفي رواية :

(( وأما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض يقول خزنة الأرض : ما وجدنا ريحاً أنتن من هذه ، فتبلغ بها إلى الأرض السفلى ))

قوله : (دَعُوهُ حتى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا) دليل على معاناة المؤمن في الدنيا وأنه لا يجد الراحة والنعمة إلا في الجنة .

كما سئل الإمام أحمد متى الراحة : فقال راحة المؤمن عندما يضع أول قدم في الجنة

 

وفي الأحاديث التالية بيان أن أعمال الناس في الدنيا تعرض على أقاربهم :

وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ : أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قُبِضَتْ تَلَقَّاهَا مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ مِنْ عَبَادِ اللَّهِ كَمَا تَلْقَوْنَ الْبَشِيرَ فِي الدُّنْيَا ، فيقبلون عليه ليسألوه ، فيقول بعضهم لبعض : انْظُرُوا صَاحِبَكُمْ يَسْتَرِيحُ ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ .

ثُمَّ يَسْأَلُونَهُ : مَاذَا فَعَلَ فُلانٌ ؟ وَمَا فَعَلَتْ فُلانَةُ ؟ هَلْ تَزَوَّجَتْ ؟ فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنِ الرَّجُلِ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ ؟

فَيَقُولُ : هَيْهَاتَ قَدْ مَاتَ ذَاكَ قَبْلِي .

فَيَقُولُونَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، ذُهِبَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ فَبِئْسَتِ الأُمُّ وَبِئْسَتِ الْمُرَبِّيَةُ .