2

احكام فروق الطلاق بين سورتي البقرة والطلاق

الأربعاء، 29 يونيو 2022

كتاب الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ البيهقي رحمه الله

 

كتاب الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد

للحافظ البيهقي رحمه الله

 

[ نسخة برنامج التراث : مكتبة العقائد والملل ، 3 . دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط1 ، 1401 ، تحقيق أحمد عصام الكاتب ]

هذا الكتاب اعتقاد أهل السنة والجماعة وأقوالهم وقد أفرد المؤلف كل باب منها بكتاب يشتمل على شرحه منورا بدلائله وحججه واقتصر في هذا الكتاب على ذكر أصوله والإشارة إلى أطراف أدلته إرادة انتفاع من نظر فيه به

 

ترجمة الحافظ البيهقي من سير أعلام النبلاء 18/163-169:

[ هو الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني وبيهق عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها.

ولد في سنة أربع وثمانين وثلاث مئة في شعبان. وسمع وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي صاحب أبي حامد بن الشرقي وهو أقدم شيخ عنده وفاته السماع من أبي نعيم الإسفراييني صاحب أبي عوانة وروى عنه بالإجازة في البيوع وسمع من الحاكم أبي عبدالله الحافظ فأكثر جدا وتخرج به ومن أبي طاهر بن محمش الفقيه وعبدالله بن يوسف الأصبهاني وأبي علي الروذباري وأبي عبدالرحمن السلمي وأبي بكر بن فورك المتكلم وحمزة بن عبدالعزيز المهلبي والقاضي أبي بكر الحيري ويحيى بن إبراهيم المزكي وأبي سعيد الصيرفي وعلي بن محمد بن السقا وظفر بن محمد العلوي وعلي بن أحمد بن عبدان وأبي سعد أحمد بن محمد الماليني الصوفي والحسن بن علي المؤملي وأبي عمر محمد بن الحسين البسطامي ومحمد بن يعقوب الفقيه بالطابران وخلق سواهم ومن أبي بكر محمد بن أحمد بن منصور بنوقان وأبي نصر محمد بن علي الشيرازي ومحمد بن محمد بن أحمد بن رجاء الأديب وأحمد بن محمد الشاذياخي وأحمد بن محمد بن مزاحم الصفار وأبي نصر أحمد بن علي بن أحمد الفامي وإبراهيم بن محمد الطوسي الفقيه وإبراهيم بن محمد بن معاوية العطار وإسحاق بن محمد بن يوسف السوسي والحسن بن محمد بن حبيب المفسر وسعيد ابن محمد بن محمد بن عبدان وأبي الطيب الصعلوكي وعبدالله بن محمد المهرجاني وعبدالرحمن بن أبي حامد المقرئ وعبدالرحمن ابن محمد بن بالويه وعبيد بن محمد بن مهدي وعلي بن محمد بن علي الإسفراييني وعلي بن محمد السبعي وعلي بن حسن الطهماني ومنصور بن الحسين المقرئ ومسعود بن محمد الجرجاني وهؤلاء العشرون من أصحاب الأصم وسمع ببغداد من هلال بن محمد بن جعفر الحفار وعلي بن يعقوب الإيادي وأبي الحسين بن بشران وطبقتهم وبمكة من الحسن بن أحمد بن فراس وغيره وبالكوفة من جناح بن نذير القاضي وطائفة.

وبورك في علمه وصنف التصانيف النافعة ولم يكن عنده سنن النسائي ولا سنن ابن ماجة ولا جامع أبي عيسى بلى عنده عن الحاكم وقر بعير أو نحو ذلك وعنده سنن أبي داود عاليا وتفقه على ناصر العمري وغيره
وانقطع بقريته مقبلا على الجمع والتأليف فعمل السنن الكبير في عشر مجلدات ليس لأحد مثله وألف كتاب السنن والآثار في أربع مجلدات وكتاب الأسماء والصفات في مجلدتين وكتاب المعتقد مجلد وكتاب البعث مجلد وكتاب الترغيب والترهيب مجلد وكتاب الدعوات مجلد وكتاب الزهد مجلد وكتاب الخلافيات ثلاث مجلدات وكتاب نصوص الشافعي مجلدان وكتاب دلائل النبوة أربع مجلدات وكتاب السنن الصغير مجلد ضخم وكتاب شعب الإيمان مجلدان وكتاب المدخل إلى السنن مجلد وكتاب الآداب مجلد وكتاب فضائل الأوقات مجيليد وكتاب الأربعين الكبرى مجيليد وكتاب الأربعين الصغرى وكتاب الرؤية جزء وكتاب الإسراء وكتاب مناقب الشافعي مجلد وكتاب مناقب أحمد مجلد وكتاب فضائل الصحابة مجلد وأشياء لا يحضرني ذكرها.

قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في تاريخه كان البيهقي على سيرة العلماء قانعا باليسير متجملا في زهده وورعه.

وقال أيضا هو أبو بكر الفقيه الحافظ الأصولي الدين الورع واحد زمانه في الحفظ وفرد أقرانه في الإتقان والضبط من كبار أصحاب الحاكم ويزيد على الحاكم بأنواع من العلوم كتب الحديث وحفظه من صباه وتفقه وبرع وأخذ فن الأصول وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز ثم صنف وتواليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث ووجه الجمع بين الأحاديث طلب منه الأئمة الانتقال من بيهق إلى نيسابور لسماع الكتب فأتى في سنة إحدى وأربعين وأربع مئة وعقدوا له المجلس لسماع كتاب المعرفة وحضره الأئمة.

قال شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن البيهقي حدثنا أبي قال حين ابتدأت بتصنيف هذا الكتاب يعني كتاب المعرفة في السنن والآثار وفرغت من تهذيب أجزاء منه.

سمعت الفقيه محمد بن أحمد وهو من صالحي أصحابي وأكثرهم تلاوة وأصدقهم لهجة يقول رأيت الشافعي رحمه الله في النوم وبيده أجزاء من هذا الكتاب وهو يقول قد كتبت اليوم من كتاب الفقيه أحمد سبعة أجزاء أو قال قرأتها ورآه يعتد بذلك.

قال وفي صباح ذك اليوم رأى فقيه آخر من إخواني الشافعي قاعدا في الجامع على سرير وهو يقول قد استفدت اليوم من كتاب الفقيه حديث كذا وكذا.

وأخبرنا أبي قال سمعت الفقيه أبا محمد الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ يقول سمعت الفقيه محمد بن عبدالعزيز المروزي يقول رأيت في المنام كأن تابوتا علا في السماء يعلوه نور فقلت ما هذا قال هذه تصنيفات أحمد البيهقي.

ثم قال شيخ القضاة سمعت الحكايات الثلاثة من الثلاثة المذكورين. قلت : هذه رؤيا حق فتصانيف البيهقي عظيمة القدر غزيرة الفوائد قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما سننه الكبير. وقد قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور وتكاثر عليه الطلبة وسمعوا منه كتبه وجلبت إلى العراق والشام والنواحي واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي وسمعها من أصحاب البيهقي ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي.

وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصره مذهبه.

قلت أصاب أبو المعالي هكذا هو ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادرا على ذلك لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث ولما سمعوا منه ما أحبوا في قدمته الأخيرة مرض وحضرت المنية فتوفي في عاشر شهر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة فغسل وكفن وعمل له تابوت فنقل ودفن ببيهق وهي ناحية قصبتها خسروجرد هي محتدة وهي على يومين من نيسابور وعاش أربعا وسبعين سنة.

ومن الرواة عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري بالإجازة وولده إسماعيل بن أحمد وحفيده أبو الحسن عبيدالله بن محمد بن أحمد وأبو زكريا يحيى بن مندة الحافظ وأبو عبدالله محمد بن الفضل الفراوي وزاهر بن طاهر الشحامي وأبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي وعبدالجبار بن عبدالوهاب الدهان وعبدالجبار بن محمد الخواري وأخوه عبدالحميد بن محمد الخواري وأبو بكر عبد الرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن البحيري النيسابوري المتوفى سنة أربعين وخمس مئة وطائفة سواهم]

[ فائدة من كتاب البيهقي وموقفه من الإلهيات للشيخ أحمد بن عطية الغامدي ، نشر عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية ، ط الثانية، 1423هـ/2002م :

لقد كان محمّد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأنصاري الأصبهاني (ت 406) ، من شيوخ الحافظ البيهقي رحمه الله ، وكان ابن فورك ورعاً مهيباً، اشتغل بعلم الكلام حتى برز فيه، فأصبح - كما يقول الذهبي -: شيخ المتكلمين، وكان اشتغاله بعلم الكلام، وبروزه فيه على مذهب أبي الحسن الأشعري، مستمداً ذلك من شيخه أبي الحسن الباهلي الذي أخذ عنه بالعراق.

ولم يكن متكلماً فحسب، بل كان محدثاً بارعاً، وفقيهاً بارزاً ، وله تصانيف كثيرة بلغت أكثر من مائة مصنف، من أبرزها كتاب (مشكل الحديث) الذي تناول فيه تأويل الأخبار الواردة في الصفات.

وقد كان صاحب أثر كبير في الاتجاه العقدي للحافظ البيهقي رحمه الله إذ الناظر في الكتب التي خصصها الحافظ البيهقي رحمه الله لمسائل العقيدة كالأسماء والصفات، والاعتقاد، وغيرهما، يراها على اتفاق كبير مع ما ورد في كتاب ابن فورك (مشكل الحديث) من تأويل لأحاديث الصفات، سيما ما يتعلق بالصفات الخبرية.

فابن فورك الذي كان رأساً في فن الكلام - كما وصفه الذهبي - يعد أبرز مشايخ البيهقي في هذا الفن. ولم تكن استفادة البيهقي منه قاصرة على هذا المجال، بل استفاد منه كثيراً في الحديث أيضاً، كما هو ملموس من رواياته الكثيرة عنه.

وبعد أن استعرض الشيخ الغامدي باستفاضة لآراء البيهقي في الإلهيّات، انهى بحثه بإجمال نتائجه فيما يأتي :

1 - اختار الحافظ البيهقي رحمه الله في استدلاله على وجود الله تعالى طريقة القرآن الكريم وهو أمر اتفق فيه مع السلف. إلاّ أنه وافق أصحابه الأشاعرة في الاستدلال بالجواهر والأعراض على حدوث العالم زاعماً صحة هذا الاستدلال لأنه - في نظره - استدلال شرعي وأيده بطريقة إبراهيم عليه السلام.

2 - خالف الحافظ البيهقي رحمه الله السلف في نفيه تسلسل الحوادث في جانب الماضي وقال بحدوث صفات الفعل العقلية. وقد بين الأستاذ الغامدي خطأه فيما ذهب إليه، وصحة مذهب السلف القائل بأن الله فعال لما يريد أزلاً وأبداً.

3 - وافق الحافظ البيهقي رحمه الله السلف فيما أثبته من صفات الذات الخبرية وخالفهم في تأويل ما بقي منها. حيث أثبت اليدين والوجه والعين، وأوّل ما سوى ذلك.

4 - خالف الحافظ البيهقي رحمه الله السلف في صفات الفعل الخبرية. حيث ذهب إلى تأويل بعضها، وتفويض بعضها الآخر، زاعماً أن التفويض في ما فوض فيه هو مذهب السلف. وقد بين الأستاذ الغامدي فساد قول من نسب التفويض والتأويل إلى السلف، مبيناً أن مذهب السلف هو الإثبات الحقيقي لجميع الصفات إثباتاً لا تأويل فيه، ولا تفويض، ولا تشبيه.

5 - خالف الحافظ البيهقي رحمه الله السلف في جميع ما يتعلق بصفة الكلام التي أثبتها، من القول بأن الكلام نفسي قديم وأنه بدون حرف ولا صوت وأنه معنى واحد، وقد بين الأستاذ الغامدي خطأ ما ذهب إليه وصحة مذهب السلف. وبين أن رأي الحافظ البيهقي رحمه الله في كلام الله تعالى هو عين مذهب أصحابه الأشاعرة، وأن حقيقة مذهبهم في القرآن لا يختلف عن مذهب المعتزلة إلاّ بنفيهم أن يكون هذا القرآن الذي نقرأه هو كلام الله الحقيقي.

6 - يتفق الحافظ البيهقي رحمه الله مع السلف فيما يتعلق بمسألة الرؤية، من القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة. إلاّ أنه خالفهم بنفيه الجهة، مستدلاً بحديث الرؤية. وقد بين الأستاذ الغامدي فساد استدلاله به، وصحة استدلال السلف.

7 - إن الحافظ البيهقي رحمه الله يقول بعدم تأثير قدرة العبد في فعله، وقد بين الأستاذ الغامدي أنه بذلك يوافق الأشاعرة القائلين بالكسب، الذي لا حقيقة له، ويخالف السلف لقولهم بتأثير قدرة العبد في فعله.

8 - إن الحافظ البيهقي رحمه الله ينفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وهو مذهب الأشاعرة، وقد بين الأستاذ الغامدي فساد هذا الرأي أيضاً ومخالفته للنصوص الشرعية المثبتة لذلك]

[ فائدة :

قال الشيخ أبا خالد وليد بن إدريس المنيسيّ السُلميّ :

عندما نشر كتاب الاعتقاد للإمام البيهقي رحمه الله طلب سماحة الشيخ ابن باز من العلامة السلفي الشيخ عبد الرزاق عفيفي - رحمهما الله - أن يعقب عليه بذكر المسائل التي خالف البيهقي فيها معتقد السلف في كتابه الاعتقاد ، ففعل ، وكتب ورقات في هذه المسائل ، وذكرت أني قد أوردت هذه الورقات في كتابي المطبوع في دار الفضيلة بالرياض بعنوان ( فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ) ، قال العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله : سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فبناء على كتاب سماحتك الذي تطلب فيه تقريرا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي ، قرأت الكتاب فوجدته موافقا للسلف في مواضع كثيرة ومخالفا لهم في مواضع أخرى ، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة :

1- يصف الله وأسماءه بالقدم ويسميه بالقديم كما يتبين مما تحته خط في الصفحات التالية : 6 ، 20، 22، 37، 60، 61.

2- استدل على حدوث الكونيات بأنها محل للحوادث كسائر الأشعرية ، فلزمهم بذلك نفي قيام الصفات الفعلية بالله ، والتزموا تأويل النصوص المثبتة لصفات الأفعال بما يسمونه قديما كما يتبين ذلك بالرجوع إلى ماتحته خط في ص 7

3- تأول اسم الله ( الرحمن ) بالمريد لرزق كل حي في الدنيا ، واسمه (الرحيم ) بالمريد لإكرام المؤمنين في الجنة ، وقال " فيرجع معناهما إلى صفة الإرادة التي هي قائمة بذاته تعالى " ويعني بالإرادة الإرادة الكونية الأزلية ، لا الإرادة الدينية التي بمعنى المحبة يتبين ذلك مما تحته خط من ص 15 - 19 ، وتأول الإلهية بالقدرة على اختراع الأعيان

4-ذهب في صفة الكلام إلى مذهب الكلابية كسائر الأشعرية فجعلها صفة نفسية ذاتية قديمة قائمة بذات الله تعالى ، ورد صفة الحكم المفهومة من اسم الله الحكم وقال : وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة والآخر بالمحنة فيكون من صفات فعله ، وقال مثل ذلك في اسمه تعالى الشكور وفي اسمه العدل يتبين ذلك مما تحته خط من ص 16

5- فسر اسم الله العلي بالعالي القاهر وبالذي علا وجل عن أن يلحقه صفات الخلق وقال هذه صفة يستحقها بذاته ، وتأول محبة الله عباده بإرادته رحمتهم وبمدحهم وقال : فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام بمعنى الإرادة الكونية والكلام النفسي ، وقال : وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم فيكون من صفات الأفعال ، كما تقدم بيانه يتبين ذلك مما تحته خط من ص   17-19

6- قال في اسم الله المتعالي هو المنزه عن صفات الخلق وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون العالي فوق خلقه بالقهر . اهـ ، وهذا فرار من إثبات علو الله على خلقه بذاته .ص17-19

7- بعد أن فسر الأسماء الحسنى وذكر ما رآه فيها من احتمال ووجوه قال : وهذه الوجوه التي في معانيها كلها صحيح ، وربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه متصف بجميع ذلك فله الأسماء الحسنى والصفات العلى لا شبيه له في خلقه ولا شريك له في ملكه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . اهـ ص21

8- قال في ص 21 أيضا : فلله عز وجل أسماء وصفات وأسماؤه صفاته وصفاته أسماؤه ، ومعلوم أن الاسم يتضمن الصفة وأنها بعض مفهومه لا أنه الصفة .

9- في ص 21-22 قسم صفات الله قسمين صفات ذات وصفات أفعال ، وقسم صفات الذات قسمين : عقليا وهو ما كان طريق إثباته أدلة العقل مع ورود السمع به فإذا دل وصف الواصف به على الذات فالاسم عين المسمى مثل : شيء ذات موجود جليل عزيز عظيم متكبر وإن دل وصف الواصف به على صفات زائدة على ذاته قائمة به مثل : حي عليم قادر سميع بصير متكلم فالاسم في هذا لا يقال إنه هو المسمى ولا أنه غير المسمى ، وأما السمعي فما كان طريق إثباته السمع فقط كالوجه واليدين والعين ، وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ، ولا يجوز تكييفها ، فالوجه صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين ، والعين له صفة وليست بحدقة ... إلى آخر ما ذكره في ص 22-44 ولا يخفى ما في هذا من المخالفة للسلف أهل السنة والجماعة ، إذ فيه نفي تفصيلي والسلف على خلافه ، وإنما يمنعون الخوض في الكيف ، ويقولون إنه مجهول أو غير معلوم ، فيفوضون علمه إلى الله تعالى كما يمنعون عموما الخوض فيما لم يخوضوا فيه نفيا وإثباتا .

10- قال في صفات المعاني السبعة القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام : إنها زائدة على الذات قائمات بها ليرد على المعتزلة ، وقال إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعوذ بكلمات الله التامة على طريق التعظيم . اهـ

يعني أن الجمع للتعظيم لا لكون كلامه تعالى متعددا بل هو شيء واحد هو الكلام النفسي الأزلي ، يتبين ذلك مما تحته خط في ص 25 -29 ، وفي ص 32-37

11- ذكر في الاستواء طريقتين : طريقة التفويض وطريقة حمله على وجه يصح استعماله في اللغة ، وأتبع ذلك نفيا تفصيليا للكيفية في الاستواء وفي النزول وفي المجيء والإتيان ... إلى آخره ص 44 ، وأحال في ذلك على كتابه الأسماء والصفات .

12- أحسن في إثبات رؤية الله في الآخرة بالأبصار وفي إقامة الأدلة على ذلك ، وفي رده على منكري رؤيته تعالى ، ولكنه يرى أن الله عز وجل لا يرى في جهة ، بل يراه الراؤون في جهاتهم كلها لأنه يتعالى عن جهة ص 51

13- قال في أفعال العباد إنها كسب لهم على معنى تعلق قدرتهم بمباشرتهم التي هي إكسابهم ، ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على مُوقع أوقعها كما أراد غير مكتسبها ، والله ربنا خلقنا وخلق أفعالنا . ص 60، 61 وهذا إلى القول بالجبر أقرب منه إلى القول بإثبات الاختيار للعبد في أفعاله .

14- وفسر ما جاء في الحديث من أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ( بأن المراد به كون القلب تحت قدرة الرحمن )

15- أخطأ في تفسير آيات في المشيئة ص 71

16- ذكر كثيرا من الأحاديث ولم يبين درجتها من الصحة والضعف ، والمقام مقام الاستدلال في العقيدة .

وبالجملة فالكتاب نافع وفيه خير كثير ويمكن التعليق عليه في مواضع الخطأ ، أو التنبيه على ذلك في مقدمة له ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

كتبه : عبد الرزاق عفيفي ] 

[ صفحة 31 ]

بسم الله الرحمن الرحيم 

 مقدمة أخبرنا القاضي الفقيه الإمام العالم الصدر الكبير شيخ القضاة بقية المشايخ الزاهد العابد الورع جمال

الدين أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري أثابه الله الجنة بقراءتي عليه في يوم الجمعة منتصف رمضان من سنة تسع وست مائة بزاوية الخضر من جامع دمشق قلت له

أخبرك الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن سليمان المرادي قراءة عليه وأنت تسمع فأقر به قال

أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي قلت للقاضي

وأخبرك أبو عبد الله الفراوي إجازة فأقر به قال

أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي الحافظ قراءة سنة خمسين وأربعمائة قال

الحمد لله الذي خلق الخلق كما شاء لما شاء واختار من الخلق لرسالته والدعاء لمعرفته والتمسك بطاعته من شاء وهدى إلى إجابة دعوته واجتناب معصيته بما أقام من البينات وأظهر من الآيات من

[ صفحة 32 ]

 

شاء ووعد لأهل طاعته ما أعد لهم في الجنة من الثواب كما شاء وأوعد أهل معصيته بما أعتد لهم من النار في العقاب كيف شاء لا معقب لحكمه كما قال جل ثناؤه في محكم كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وربك يخلق ما يشاء ويختار وقال الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس وقال إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده إلى قوله رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما وقال والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقال ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وقال واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين وقال وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون

فالحمد لله على جميع نعمه وصلى الله على كافة رسله وخص نبينا محمدا بأفضل الصلاة والتحية والبركة وآتاه ما وعده من الوسيلة والفضيلة والرفعة في الدنيا والآخرة وبعثه يوم القيامة مقاما محمودا يغبطه به الأولون والآخرون وجمع بيننا وبينه في جنات النعيم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين

 

 

[ صفحة 33 ]

 

 

بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وخير الغافرين

أما بعد فإني بتوفيق الله سبحانه وتعالى صنفت فيما يفتقر أهل التكليف إلى معرفته في أصول العلم وفروعه ما قد انتشر ذكره في بعض البلاد وانتفع به من وفق لسماعه وتحصيله من العباد غير أن جمل ما يحتاج إلى معرفته من ذلك للاعتقاد على السداد معرفة في تلك الكتب ولا يكاد يتفق لجماعتهم الإتيان على جمعها والإحاطة بجميعها

فأردت والمشيئة لله تعالى أن أجمع كتابا يشتمل على بيان ما يجب على المكلف اعتقاده والاعتراف به مع الإشارة إلى أطراف أدلته على طريق الاختصار وما ينبغي أن يكون شعاره على سبيل الإيجاز فاستخرت الله عز وجل في ذلك وفي جميع أموري وابتدأت به مستعينا بالله عز اسمه على إتمامه وأسأله أن يجعلني والناظرين فيه ممن يخصه بجميل إنعامه وإكرامه وجزيل إحسانه وامتنانه إنه وليه والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله

 

 

[ صفحة 35 ]

 

 

باب أول ما يجب على العاقل البالغ معرفته والإقرار به

قال الله جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله إلا الله وقال له ولأمته فاعلموا أن الله مولاكم وقال فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون وقال قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية فوجب بالآيات قبلها معرفة الله تعالى وعلمه ووجب بهذه الآية الاعتراف به والشهادة له بما عرفه ودلت السنة على مثل ما دل عليه الكتاب

أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا يعلى بن عبيد الأعمش عن أبي سفيان عن جابر وعن أبي صالح عن أبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل

ورواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن

 

 

[ صفحة 36 ]

 

 

النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من الزيادة

ويؤمنوا بي وبما جئت به

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن معمر بن ربعي ثنا عمر بن يونس الحنفي ثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو كثير حدثني أبو هريرة فذكر حديثا طويلا قال فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

يا أبا هريرة وأعطاني نعليه اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة

أخبرنا أبو عبد الله ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا عفان حدثني بشر بن المفضل عن خالد بن الوليد أبي بشر قال سمعت حمران يقول سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة

أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان بمدينة السلام أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو

 

 

[ صفحة 37 ]

 

 

عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب عن كثير ابن مرة عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة

قال الشيخ رحمه الله ففي الحديث الأول بيان ما يجب على المدعو أن يأتي به حتى يحقن به دمه وفي الحديث الثاني بيان ما يجب عليه من الجمع بين معرفة القلب والإقرار باللسان مع الإمكان حى يصح إيمانه وفي الخبر الثالث والرابع شرط على الإيمان حتى يستحق دخول الجنان بوعد الله تعالى وبالله التوفيق

 

 

[ صفحة 38 ]

 

 

باب ذكر بعض ما يستدل به على حدوث العالم وأن محدثه ومدبره إله واحد قديم لا شريك له ولا شبيه

قال الله عز وجل وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا أحمد بن الفضل الصائغ ثنا آدم بن أبي إياس ثنا أبو جعفر الرازي ثنا سعيد بن مسروق عن أبي الضحى وإلهكم إله واحد قال لما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا إن محمدا يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لآيات لقوم يعقلون

قال الشيخ رحمه الله فذكر الله عز وجل خلق السماوات بما فيها

 

 

[ صفحة 39 ]

 

 

من الشمس والقمر والنجوم المسخرات وذكر خلق الأرض بما فيها من البحار والأنهار والجبال والمعادن وذكر اختلاف الليل والنهار وأخذ أحدهما من الآخر وذكر الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وذكر ما أنزل من السماء من المطر الذي فيه حياة البلاد وبه وبما وضع الله في الليل والنهار من الحر والبرد يتم رزق العباد والبهائم والدواب وذكر ما بث في الأرض من كل دابة مختلفة الصور والأجساد مختلفة الألسنة والألوان وذكر تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض وما فيهما من منافع الحيوانات وما في جميع ذلك من الآيات البينات لقوم يعقلون

ثم أمر في آية أخرى بالنظر فيهما فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل انظروا ماذا في السماوات والأرض يعني والله أعلم من الآيات الواضحات والدلالات النيرات وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك واعتبرتها بفكرك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد

فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض مبسوطة كالبساط والنجوم منضودة كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر وضروب النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب مستعملة في المرافق والإنسان كالمملك البيت المخول ما فيه وفي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام وأن له صانعا حكيما تام القدرة بالغ الحكمة وهذا فيما قرأته من كتاب أبي سليمان الخطابي رحمه الله

 

 

[ صفحة 40 ]

 

 

قال الشيخ رحمه الله ثم إن الله تعالى حضهم على النظر في ملكوت السماوات والأرض وغيرهما من خلقه في آية أخرى فقال أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون يعني بالملكوت الآيات

يقول أولم ينظروا فيها نظر تفكر وتدبر حتى يستدلوا بكونها محلا للحوادث والتغيرات على أنها محدثات وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه على هيئة لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات كما استدل إبراهيم الخليل عليه السلام بمثل ذلك فانقطع عنها كلها إلى رب هو خالقها ومنشئها فقال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين

أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن

 

 

[ صفحة 41 ]

 

 

عباس في قوله عز وجل وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض يعني به الشمس والقمر والنجوم رأى كوكبا قال هذا ربي حتى غاب فلما غاب قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر حتى فلما غابت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض الآية

قال الشيخ أحمد رحمه الله وحثهم على النظر في أنفسهم والتفكر فيها فقال وفي أنفسكم أفلا تبصرون يعني لما فيها من الإشارة إلى آثار الصنعة الموجودة في الإنسان من يدين يبطش بهما ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها وأذن يسمع بها ولسان يتكلم به وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء يطحن بها الطعام ومعدة أعدت لطبخ الغذاء وكبد يسلك إليها صفوه وعروق ومعابر تنفذ فيها إلى الأطراف وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز عن أسفل البدن فيستدل بها على أن لها صانعا حكيما عالما قديرا

أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد بن علي الروذباري أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن محمد ثنا عبيد الله بن موسى ثنا سفيان عن ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن الزبير وفي أنفسكم أفلا تبصرون قال سبيل الخلاء والبول

 

 

[ صفحة 42 ]

 

 

أخبرنا يحيى بن إبراهيم حدثني محمد بن عبيد الله الأديب ثنا محمود بن محمد ثنا عبد الله بن الهيثم ثنا الأصمعي قال سمعت ابن السماك يقول لرجل تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم وتسمع بعظم وتتكلم بلحم

قلنا ثم إنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التناحر والتباين والتفاسد مجموعة في بدن الإنسان وأبدان سائر الحيوان وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة فقلنا إن جامعا جمعها وقهرها على الاجتماع وأقامها بلطفه فلولا ذلك لتنافرت ولتفاسدت ولو جاز أن تجتمع المتضادات والمتنافرات وتتقادم من غير جامع يجمعها لجاز أن يجتمع الماء والنار ويتقاوما من ذاتها من غير جامع يجمعها ومقيم يقيمها وهذا محال لا يتوهم فثبت أن اجتماعها إنما كان بجامع قهرها على الاجتماع والالتئام وهو الله الواحد القهار

وقد حكي عن الشافعي رحمه الله أنه احتج بقريب من هذا المعنى حين سأله المريسي عن دلائل التوحيد في مجلس الرشيد واحتج أيضا بالآية التي ذكرناها في أول الباب وباختلاف الأصوات

قلنا وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز تحول أنفسنا من حالة إلى حالة وتغيرها ليستدل بذلك على خالقها ومحولها فقال ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا وقال ولقد خلقنا الإنسان من

 

 

[ صفحة 43 ]

 

 

سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون

فالإنسان إذا فكر بنفسه رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل التي هي كمال عقله وبلوغ رشده عضوا من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز وقد يرى نفسه شابا ثم كهلا ثم شيخا وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعا صنعه وناقلا نقله من حال إلى حال ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر ثم يعلم أنه لا يتأتى الفعل المحكم المتقن ولا يوجد الأمر والنهي ممن لا حياة له ولا علم ولا قدرة ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام فيستدل بذلك على أن صانعه حي عالم قادر سميع بصير متكلم

ثم يعلم استغناء المصنوع بصانع واحد وعلو بعضهم على بعض وما يدخل من الفساد في الخلق أن لو كان معه آلهة فيستدل بذلك على أنه إله واحد لا شريك له كما قال عز من قائل ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما

 

 

[ صفحة 44 ]

 

 

يشركون وقال لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون

ثم يعلم أن صانع العالم لا يشبه شيئا من العالم لأنه لو أشبه شيئا من المحدثات بجهة من الجهات لأشبهه في الحدوث من تلك الجهة ومحال أن يكون القديم محدثا أو يكون قديما من جهة حديثا من جهة ولأنه يستحيل أن يكون الفاعل يفعل مثله كالشاتم لا يكون شتما وقد فعل الشتم والكاذب لا يكون كذبا وقد فعل الكذب ولأنه يستحيل أن يكون شيئان مثلين يفعل أحدهما صاحبه لأنه ليس أحد المثلين بأن يفعل صاحبه أولى من الآخر وإذا كان كذلك لم يكن لأحدهما على الآخر مزية يستحق لأجلها أن يكون محدثا له لأن هذا حكم المثلين فيما تماثلا فيه وإذا كان كذلك استحال أن يكون الباري سبحانه مشبها للأشياء فهو كما وصف نفسه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقال قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد

حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا عبدالله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ قالا ثنا الحسين بن الفضل ثنا محمد بن سابق ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تبارك وتعالى قل هو الله أحد الله

 

 

[ صفحة 45 ]

 

 

الصمد لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله تبارك لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوا أحد لم يكن له شبيه ولا عدل ليس كمثله شيء

أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم أنا أبو الحسن الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل ولله المثل الأعلى قال يقول ليس كمثله شيء وفي قوله هل تعلم له سميا يقول هل تعلم للرب مثلا أو شبيها

قلنا وقد سلك بعض مشايخنا رحمنا الله وإياهم في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها فلما ثبتت النبوة صارت أصلا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين

 

 

[ صفحة 46 ]

 

 

للرسل صلوات الله عليهم أجمعين

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ رحمه الله أنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا نصر بن علي حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعن عروة بن الزبير وصلب الحديث عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت

إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة فذكر الحديث بطوله إلى أن قال فكلمه جعفر رضي الله عنه يعني النجاشي فقال كنا على دينهم يعني على دين أهل مكة حتى بعث الله عز وجل فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وعفافه فدعا إلى أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ونخلع ما يعبد قومنا وغيرهم من دونه وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر وأمرنا بالصلاة والصيام والصدقة وصلة الرحم وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة فتلا علينا تنزيلا جاءه من الله عز وجل ففارقنا عند ذلك قومنا وآذونا

فقال النجاشي هل معكم مما نزل عليه شيء تقرؤونه علي قال جعفر نعم فقرأ كهيعص فلما قرأها بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم وقال النجاشي إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به موسى عليه السلام ليخرجان من مشكاة واحدة

 

 

[ صفحة 47 ]

 

 

قلنا فهؤلاء مع النجاشي وأصحابه استدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما ادعاه من الرسالة فاكتفوا به وآمنوا به وبما جاء به من عند الله فكان فيما جاء به إثبات الصانع وحدوث العالم

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع فأتاه رجل منهم فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال صدق قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الأرض قال الله قال فمن نصب هذه الجبال قال الله قال فمن جعل فيها هذه المنافع قال الله قال فبالذي خلق السماء والأرض ونصب الجبال وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا صدقة في أموالنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فلما مضى قال لئن صدق ليدخلن الجنة

 

 

[ صفحة 48 ]

 

 

قال الشيخ رحمه الله فهذا السائل كان قد سمع بمعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت مستفيضة في زمانه ولعله أيضا ما كان يتلوه من القرآن فاقتصر في إثبات الخالق ومعرفة خلقه على سؤاله وجوابه عنه وقد طالبه بعض من لم يقف على معجزاته بأن يريه من آياته ما يدل على صدقه فلما أراه ووقف عليه آمن به وصدقه فيما جاء به من عند الله عز وجل

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو بكر بن إسحاق أنا علي بن عبد العزيز ح

وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة حدثنا أبو علي حامد بن محمد الرفا أنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أنا شريك عن سماك عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بم أعرف أنك رسول الله فقال

أرأيت لو دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله قال نعم قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم قال له ارجع فرجع حتى عاد إلى مكانه فقال أشهد أنك رسول الله وآمن به

تابعه الأعمش عن أبي ظبيان ورواه أبو حيان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه

 

 

[ صفحة 49 ]

 

 

باب ذكر أسماء الله وصفاته عزت أسماؤه وجل ثناؤه

قال الله عز وجل ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون وقال قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى وقال هو الله الذي لا إله إلا هو إلى قوله له الأسماء الحسنى

أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الفقيه رحمه الله أنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن الحسن القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لله تسعة وتسعون اسما مائة إلا

 

 

[ صفحة 50 ]

 

 

واحدا من أحصاها دخل الجنة

وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد الكرابيسي ثنا صفوان بن صالح الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم ثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق القوي الوكيل المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار

 

 

[ صفحة 51 ]

 

 

النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور

وأخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل رحمه الله أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني حميد بن الربيع حدثني خالد بن مخلد حدثنا عبد العزيز بن الحصين ثنا أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها كلها دخل الجنة الله الرحمن الرحيم الإله الرب الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الحليم العليم السميع البصير الحي القيوم الواسع اللطيف الخبير الحنان المنان البديع الودود الغفور الشكور المجيد المبدئ المعيد النور البادي الأول الظاهر الباطن العفو الغفار الوهاب القادر الأحد الصمد الوكيل الكافي الباقي الحميد المغيث الدائم المتعالي ذو الجلال والإكرام المولى النصير الحق المبين الباعث المجيب المحيي المميت الجليل الصادق الحافظ المحيط الكبير القريب الرقيب الفتاح التواب القديم الوتر الفاطر الرزاق العلام العلي العظيم الغني المليك المقتدر الأكرم الرؤوف المدبر القدير المالك القاهر الهادي الشاكر

 

 

[ صفحة 52 ]

 

 

الكريم الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجميل

قال الشيخ رحمه الله تفرد بالرواية الأولى مع ذكر الأسامي الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة وتفرد بهذه الرواية عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان عن أيوب السختياني وهشام بن حسان وزعم بعض أهل العلم بالحديث أن ذكر الأسامي في هذا الحديث من جهة بعض الرواة وأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر عددها دون تفسير العدد وهذه الأسامي مذكورة في كتاب الله عز وجل وفي سائر الأحاديث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مفردة نصا أو دلالة فذكرناها في كتاب الأسماء والصفات وقوله صلى الله عليه وسلم

إن لله تسعة وتسعين اسما لا ينفي غيرها وإنما أراد والله أعلم أن من أحصى من أسماء الله عز

 

 

[ صفحة 53 ]

 

 

وجل تسعة وتسعين اسما دخل الجنة سواء أحصاها مما نقلنا في الحديث الأول أو مما ذكرنا في الحديث الثاني أو من سائر ما دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع وبالله التوفيق

 

 

[ صفحة 54 ]

 

 

باب ذكر الأسماء التي رويناها علي طريق الإيجاز

الله معناه من له الإلهية وهي القدرة على اختراع الأعيان وهذه صفة يستحقها بذاته

الرحمن من له الرحمة

الرحيم الراحم فعيل بمعنى فاعل على المبالغة وقيل الرحمن المريد لرزق كل حي في الدنيا والرحيم المريد لإكرام المؤمنين بالجنة في العقبى فيرجع معناها إلى صفة الإرادة التي هي صفة قائمة بذاته

الملك هو التام الملك والمالك هو الخاص الملك وحقيقتهما في صفة الله عز وجل أن يكون قادرا على الإيجاد وهذه صفة يستحقها بذاته

القدوس هو الطاهر من العيوب المنزه عن الأولاد والأنداد وهذه صفة يستحقها بذاته

 

 

[ صفحة 55 ]

 

 

السلام هو الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل آفة وهذه صفة يستحقها بذاته وقيل هو الذي سلم المؤمنون من عقوبته

المؤمن هو الذي صدق نفسه وصدق عباده المؤمنين فتصديقه لنفسه علمه بأنه صادق وتصديقه لعباده علمه بأنهم صادقون وقيل المؤمن الموحد لنفسه وهو من صفات ذاته وقيل المؤمن الذي يؤمن عباده المؤمنين يوم القيامة من عقوبته

المهيمن هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل وهو من صفات ذاته وقيل هو الأمين وقيل هو الرقيب على الشيء والحافظ له

العزيز هو الغالب الذي لا يغلب والمنيع الذي لا يوصل إليه وقيل هو القادر القوي وقيل هو الذي لا مثل له وهو من صفات الذات

الجبار هو الذي لا تناله الأيدي ولا يجري في ملكه غير ما أراد وهو من الصفات التي يستحقها بذاته وقيل هو الذي جبر الخلق على ما أراد وقيل هو الذي جبر مفاقر الخلق وهو على هذا المعنى من صفات فعله

المتكبر هو المتعالي عن صفات الخلق وهذه صفة يستحقها بذاته وقيل هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة

 

 

[ صفحة 56 ]

 

 

فيقصمهم

الخالق هو المبدع المخترع للخلق على غير مثال سبق

البارئ هو الخالق وله اختصاص بقلب الأعيان

المصور هو الذي أنشأ خلقه على صور مختلفة

الغفار هو الستار لذنوب عباده مرة بعد أخرى

القهار هو القاهر على المبالغة وهو القادر فيرجع معناه إلى صفة القدرة التي هي صفة قائمة بذاته وقيل هو الذي قهر الخلق على ما أراد

 

 

[ صفحة 57 ]

 

 

الوهاب هو الذي يجود بالعطاء الكثير من غير استثابة الرزاق هو

القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها وما مكنها من الانتفاع به من مباح وغير مباح رزق لها

الفتاح هو الحاكم بين عباده ويكون الفتاح الذي يفتح المنغلق على عباده من أمورهم دينا ودنيا ويكون بمعنى الناصر

العليم هو العالم على المبالغة فالعلم صفة له قائمة بذاته

القابض الباسط هو الذي يوسع الرزق ويقتره يبسطه بجوده ورحمته ويقبضه بحكمته وقيل القابض الذي يقبض الأرواح بالموت الذي كتبه على العباد والباسط الذي يبسط الأرواح في الأجساد

الخافض الرافع فالخافض هو الذي يخفض من يشاء بانتقامه والرافع هو الذي يرفع من يشاء بإنعامه

المعز المذل يعز من يشاء ويذل من يشاء لا مذل لمن أعزه ولا

 

 

[ صفحة 58 ]

 

 

معز لمن أذله

السميع من له سمع يدرك به المسموعات والسمع له صفة قائمة بذاته

البصير من له بصر يرى به المرئيات والبصر له صفة قائمة بذاته

الحكم هو الحاكم وحكمه خبره وخبره قوله فيرجع معناه إلى صفة الكلام وقد يكون بمعنى حكمه لواحد بالنعمة ولآخر بالمحنة فيكون من صفات فعله

العدل هو الذي له أن يفعل ما يفعل وهذه الصفة يستحقها بذاته

اللطيف هو البر بعباده وهو من صفات فعله وقد يكون بمعنى العالم بخفايا الأمور فيكون من صفات ذاته

الخبير هو العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته وقيل الخبير المخبر وهو من صفات ذاته

الحليم وهو الذي يؤخر العقوبة على مستحقيها ثم قد يعفو عنهم

العظيم هو المستحق لأوصاف العلو والرفعة والجلال والعظمة والتقديس من كل آفة وهو من الصفات التي يستحقها بذاته

الغفور هو الذي يكثر من المغفرة

 

 

[ صفحة 59 ]

 

 

الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة ويعطي عليه الكثير من المثوبة وشكره قد يكون بمعنى ثنائه على عبده فيرجع معناه إلى صفة الكلام التي هي صفة قائمة بذاته

الكبير هو الموصوف بالجلال وكبر الشأن فصغر دون جلاله كل كبير وقيل هو الذي كبر عن شبه المخلوقين وهذه صفة يستحقها بذاته

الحفيظ هو الحافظ لكل ما أراد حفظه ومن أراد وقيل هو الذي لا ينسى ما علم فيرجع معناه إلى صفة العلم

المقيت هو المقتدر فيرجع معناه إلى صفة القدرة وقيل المقيت الحفيظ وقيل هو معطي القوت فيكون من صفات الفعل

الحسيب هو الكافي وقيل بمعنى المحاسب

الجليل هو من الجلال والعظمة ومعناه ينصرف إلى جلال القدرة وعظم الشأن فهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل

 

 

[ صفحة 60 ]

 

 

ويتضع معه كل رفيع وهذه صفة يستحقها بذاته

الكريم هو المنزه عن الدناءة وهذه صفة يستحقها بذاته وقيل الكريم الكثير الخير وقيل المحسن بما لا يجب عليه والصفوح عن حق وجب له وهو على هذا المعنى من صفات فعله

الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء فيرجع معناه إلى صفة العلم

المجيب هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه

الواسع هو العالم فيرجع معناه إلى صفة العلم وقيل الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق

الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء وقد يكون بمعنى المصيب في أفعاله

الودود هو الذي يود عباده المؤمنين ويوده عباده المؤمنون ومحبة الله عباده إرادته رحمتهم ومدحهم فيرجع معناه إلى صفة الإرادة والكلام وقد يكون بمعنى إنعامه عليهم ومن إنعامه عليهم أن يوددهم إلى خلقه وهو على هذا المعنى من صفات فعله

المجيد هو الجليل الرفيع القدر المحسن الجزيل البر فالمجد في اللغة قد يكون بمعنى الشرف وقد يكون بمعنى السعة

 

 

[ صفحة 61 ]

 

 

وهو على المعنى الأول صفة يستحقها بذاته

الباعث و الذي يبعث عباده بعد الموت للجزاء وقد يبعث من شاء منهم عند السقطة وينعشه عند الصرعة

الشهيد هو الذي لا يغيب عنه شيء وقيل هو العالم الرائي فيرجع معناه إلى صفة العلم وصفة الرؤية

الحق هو الموجود حقا وهذه صفة يستحقها بذاته

الوكيل هو الكافي وهو الذي يستقل بالأمر الموكول إليه وقيل هو الكفيل بالرزق والقيام على الخلق بما يصلحهم

القوي هو القادر وهو أن يكون تام القدرة لا يستولي عليه عجز في حالة من الأحوال ويرجع معناه إلى صفة القدرة

المتين هو الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يمسه في أفعاله لغوب ويرجع معناه أيضا إلى صفة القدرة

 

 

[ صفحة 62 ]

 

 

الولي هو الناصر وقيل المتولي للأمر القائم به

الحميد هو المحمود الذي يستحق الحمد وقيل من له صفات المدح والكمال وهذه صفة يستحقها بذاته

3 - المحصي هو الذي أحصى كل شيء بعلمه فيرجع معناه إلى صفة العلم

المبدئ هو الذي أبدأ الإنسان أي ابتدأه مخترعا

المعيد هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة

المحيي هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها النسمة الحية ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث ويحيي القلوب بنور المعرفة ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق

المميت هو الذي يميت الأحياء ويوهي بالموت قوة الأقوياء

الحي في صفة الله عز وجل هو الذي لم يزل موجودا وبالحياة موصوفا فالحياة له صفة قائمة بذاته

القيوم هو القائم الدائم بلا زوال فيرجع معناه إلى صفة البقاء والبقاء صفة الذات وقيل هو المدبر والمتولي بجميع ما يجري في العالم وهو على هذا المعنى من صفات الفعل

الواجد هو الغني الذي لا يفتقر والوجد الغنى وقد يكون من الوجود وهو الذي لا يؤوده طلب ولا يحول بينه وبين المطلوب هرب وقد يكون بمعنى العالم

 

 

[ صفحة 63 ]

 

 

الماجد هو المجيد وقد مضى ذكر معناه

الواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك وقيل هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك وهذه صفة يستحقها بذاته

الصمد هو السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج وقيل هو الباقي الذي لا يزول وهو من صفات الذات

القادر هو الذي له القدرة الشاملة والقدرة له صفة قائمة بذاته

المقتدر هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء

المقدم والمؤخر هو المنزل الأشياء منازلها يقدم ما شاء ومن شاء ويؤخر ما شاء ومن شاء

الأول هو الذي لا ابتداء لوجوده الآخر هو الذي لا انتهاء لوجوده

الظاهر هو الظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وشواهد أعلامه الدالة على ثبوت ربوبيته وصحة وحدانيته وقد يكون الظهور بمعنى العلو والرفعة وقد يكون بمعنى الغلبة

 

 

[ صفحة 64 ]

 

 

الباطن هو الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية وقد يكون الظاهر بمعنى العالم بما ظهر من الأمور والباطن بمعنى المطلع على ما بطن من الغيوب وهما من صفات الذات

الوالي هو المالك للأشياء والمتولي لها وقد يكون بمعنى المنعم عودا على بدء

المتعالي هو المنزه عن صفات الخلق وهذه صفة يستحقها بذاته وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه بالقهر

البر هو المحسن إلى خلقه عمهم برزقه وخص من شاء منهم بولايته ومضاعفة الثواب له على طاعته والتجاوز عن معصيته

التواب هو الذي يتوب على من يشاء من عبيده

المنتقم هو الذي ينتصر من أعدائه ويجازيهم بالعذاب على معاصيهم وقد يكون بمعنى المهلك لهم

العفو من العفو على المبالغة ثم قد يكون بمعنى المحو فيرجع معناه إلى الصفح عن الذنب وقد يكون بمعنى المفضل فيعطي الجزيل من الفضل

الرؤوف هو الرحيم والرأفة شدة الرحمة ورحمة الله إرادته إنعام

 

 

[ صفحة 65 ]

 

 

من شاء من عباده فيرجع معناه إلى صفة الإرادة ثم قد تسمى تلك النعمة رحمة

مالك الملك ومعناه أن الملك بيده يؤتيه من يشاء وقد يكون معناه مالك الملوك وقد يكون معناه وارث الملك يوم لا يدعي الملك مدع ولا ينازعه فيه منازع واستحقاقه لذلك صفة يستحقها بذاته

ذو الجلال والإكرام أي مستحق أن يجل ويكرم فلا يجحد فتكون صفة يستحقها بذاته وقد يكون الإكرام بمعنى إكرامه أهل ولايته في الدنيا بمعرفته وفي الآخرة بجنته فيكون من صفات الفعل

المقسط هو العادل في حكمه

الجامع هو الذي يجمع الخلائق ليوم لا ريب فيه وهو من صفات الفعل وهو الذي جمع أوصاف المدح وهذه صفة يستحقها بذاته

الغني هو الذي استغنى عن الخلق وقيل المتمكن من تنفيذ إرادته في مراداته وهذه صفة يستحقها بذاته

المغني هو الذي جبر مفاقر الخلق وقد يكون بمعنى الكافي من الغناء وهو الكفاية

المانع هو الناصر الذي يمنع أولياءه أي يحوطهم وينصرهم وقيل

 

 

[ صفحة 66 ]

 

 

هو الذي يمنع العطاء عن قوم والبلاء عن آخرين

الضار هو موصل الضرر إلى من أراد

النافع هو موصل النفع إلى من يشاء

النور هو الهادي وقيل هو المنور وهو من صفات فعله وقيل هو الحق وقيل هو الذي لا يخفى على أوليائه بالدليل وتصح رؤيته بالأبصار وهذه صفة يستحقها الباري تعالى بذاته

الهادي هو الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته وبهدايته اهتدى الحيوان لما يصلحه واتقى ما يضره

البديع هو الذي فطر الخلق مبدعا له لا على مثال سبق وهو من صفات فعله وقد يكون بمعنى لا مثل له فيكون صفة يستحقها بذاته

الباقي هو الذي دام وجوده والبقاء له صفة قائمة بذاته وفي معناه الوارث

الرشيد هو المرشد وهو الهادي وقد يكون بمعنى الحكيم ذي الرشد لاستقامة تدبيره وإصابته في أفعاله

الصبور هو الذي لا يعالج العصاة بالعقوبة وهو قريب من معنى الحليم وصفة الحليم أبلغ في السلامة من عقوبته

 

 

[ صفحة 67 ]

 

 

وأما الأسماء التي وردت في رواية عبد العزيز بن الحصين مما ليس في رواية الوليد بن مسلم فمنها

الرب ومعناه السيد وقيل معناه المالك وقيل هو المبلغ كل ما أبدع حد كماله الذي قدره له فهو على هذا المعنى من صفات فعله وعلى ما قبله من صفات ذاته

الحنان معناه ذو الرحمة

المنان هو الكثير العطاء

البادئ معناه المبدئ

الأحد الذي لا شبيه له ولا نظير

الواحد الذي لا شريك له ولا عديل وعبر عن معناه بعبارة أخرى فقيل الأحد وهو المنفرد بالمعنى لا يشاركه فيه أحد والواحد المنفرد بالذات لا يضامه أحد وهما من الصفات التي يستحقها بذاته

الكافي الذي يكفي عباده المهم ويدفع عنهم الملم

المغيث هو الذي يدرك عباده في الشدائد فيخلصهم

الدايم هو الموجود لم يزل ولا يزال ويرجع معناه إلى صفة البقاء

المولى هو الناصر

المعين المبين هو البين أمره في الوحدانية وهذه صفة يستحقها بذاته

الصادق هو الذي يصدق قوله ويصدق وعده وهو من صفات الذات

 

 

[ صفحة 68 ]

 

 

المحيط هو الذي أحاطت قدرته بجميع المقدورات وأحاط علمه بجميع المعلومات والقدرة له صفة قائمة بذاته والعلم له صفة قائمة بذاته

القريب معناه أنه قريب بعلمه من خلقه قريب ممن يدعوه بإجابته

القديم هو الموجود لم يزل وهذه صفة يستحقها بذاته

الوتر هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير وهذه أيضا صفة يستحقها بذاته

الفاطر هو الذي فطر الخلق أي ابتدأ خلقهم

العلام بمعنى العليم وبناء الفعال بناء التكثير والعلم لله صفة قائمة بذاته

المليك هو المالك على المبالغة وقد يكون بمعنى الملك وقد مضى معناهما

3 - الأكرم هو الذي لا يوازيه كريم ولا يعادله نظير وقد يكون بمعنى الكريم

3 - المدبر هو العالم بأدبار الأمور وعواقبها ومقدر المقادير ومجريها إلى غاياتها يدبر الأمور بحكمته ويصرفها على مشيئته

ذو المعارج والمعارج الدرج وهي المصاعد التي تعرج عليها الملائكة

ذو الطول وذو الفضل ومعناه أهل الطول والفضل وذو حرف النسبة كقوله ذو الجلال والإكرام الجميل هو المجمل المحسن

الرفيع قد يكون بمعنى الرافع يرفع درجات من يشاء فيكون من

 

 

[ صفحة 69 ]

 

 

صفات الفعل وقد يكون معناه هو الذي لا أرفع قدرا منه وهو المستحق لدرجات المدح والثناء وهي أصنافها لا مستحق لها غيره فيكون من صفات الذات

قال الشيخ رحمه الله وقد قيل في معاني هذه الأسماء غير ما ذكرنا قد ذكرنا بعضها في كتاب الأسماء والصفات وبعضها في كتاب الجامع وهذه الوجوه التي ذكرنا في معانيها كلها صحيح وربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه متصف بجميع ذلك فله الأسماء الحسنى والصفات العلى لا شبيه له في خلقه ولا شريك له في ملكه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

 

 

[ صفحة 70 ]

 

 

باب بيان صفة الذات وصفة الفعل

قال الله جل ثناؤه هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا لإله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم فأشار في هذه الآيات إلى فصل أسماء الذات من أسماء الفعل على ما نبينه إلى سائر ما ذكر في كتابه من أسماء الذات وأسماء الفعل

فلله عز اسمه أسماء وصفات وأسماؤه صفاته وصفاته أوصافه وهي على قسمين أحدهما صفات ذات والآخر صفات فعل

1 - فصفات ذاته ما يستحقه فيما لم يزل ولا يزال وهو على قسمين أحدهما عقلي والآخر سمعي أ فالعقلي ما كان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به وهو على قسمين 1 أحدهما ما يدل خبر المخبر به عنه ووصف الواصف له به على ذاته كوصف الواصف له بأنه

 

 

[ صفحة 71 ]

 

 

شيء ذات موجود قديم إله ملك قدوس جليل عظيم متكبر والاسم والمسمى في هذا القسم واحد 2 والثاني ما يدل خبر المخبر به عنه ووصف الواصف له به على صفات زائدات على ذاته قائمات به وهو كوصف الواصف له بأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم باق فدلت هذه الأوصاف على صفات زائدة على ذاته قائمة به كحياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وبقائه والاسم في هذا القسم صفة قائمة بالمسمى لا يقال أنها هي المسمى ولا أنها غير المسمى ب وأما السمعي فهو ما كان طريق إثباته الكتاب والسنة فقط كالوجه واليدين والعين وهذه أيضا صفات قائمة بذاته لا يقال فيها إنها هي المسمى ولا غير المسمى ولا يجوز تكييفها فالوجه له صفة وليست بصورة واليدان له صفتان وليستا الجارحتين والعين له صفة وليست بحدقة وطريق إثباتها له صفات ذات ورود خبر الصادق به

 

 

[ صفحة 72 ]

 

 

2 - وأما صفات فعله فهي تسميات مشتقة من أفعاله ورد السمع بها مستحقة له فيما لا يزال دون الأزل لأن الأفعال التي اشتقت منها لم تكن في الأزل وهو كوصف الواصف له بأنه خالق رازق محيي مميت منعم مفضل فالتسمية في هذا القسم إن كانت من الله عز جل فهي صفة قائمة بذاته وهو كلامه لا يقال إنها المسمى ولا غير المسمى وإن كانت التسمية من المخلوق فهي فيها غير المسمى

ومن أصحابنا من ذهب إلى أن جميع أسمائه لذاته الذي له صفات الذات وصفات الفعل فعلى هذا الاسم والمسمى في الجميع واحد والله أعلم وعلى هذه الطريقة يدل كلام المتقدمين من أصحابنا

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا الحسن بن رشيق إجازة ثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي ثنا يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي يقول إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة

قال الشيخ وقد قال الشافعي في كتاب الإيمان ما دل على أنه

 

 

[ صفحة 73 ]

 

 

لا يقال في أسماء الله تعالى إنها أغيار وقد نقلنا كلامه فيها في مواضع وبالله التوفيق

ومن قال بهذا احتج بقول الله تعالى بغلام اسمه يحيى فأخبر أن اسمه يحيى ثم قال يا يحيى فخاطب اسمه فعلم أن المخاطب يحيى وهو اسمه واسمه هو ولذلك قال وما تعبدون من دون الله إلا أسماء وأراد المسميات وقال تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام كما قال تبارك الذي نزل الفرقان وكما قال تبارك الذي بيده الملك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن عمر بن الخطاب سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بعد السلام

تباركت يا ذا الجلال والإكرام وقال في دعاء القنوت

تباركت ربنا وتعاليت قال أبو منصور الأزهري معنى تبارك تعالى وتعظم وقيل هو تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ببغداد ثنا محمد بن العباس الكاملي ثنا عبد العزيز بن عبد

 

 

[ صفحة 74 ]

 

 

الله الأويسي ثنا مالك بن أنس وغيره عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

إذا أتى أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه وليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين غير أن مالكا لم يقل فإنه لا يدري ما خلفه عليه

وروينا في حديث أبي ذر وحذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه قال

اللهم باسمك أحيا وباسمك وأموت

كما قال في رواية أبي هريرة في الدعاء عند الصباح اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت

وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان ثنا زيد بن الحباب حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان حدثني عمير بن هانئ قال سمعت جنادة بن أبي أمية يقول سمعت عبادة بن الصامت يذكر عن

 

 

[ صفحة 75 ]

 

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم

أن جبريل عليه السلام جاءه وهو يوعك فقال أرقيك من كل داء يؤذيك ومن كل حسد حاسد ومن كل عين واسم الله يشفيك قال الشيخ رحمه الله ولو كان اسمه غيره أو ليس هو المسمى لكان القائل إذا قال عبد الله والله اسمه أن يكون عبد اسمه أي غيره أو ما لا يقال إنه هو وذلك محال

وقوله إن لله تسعة وتسعين اسما معناه تسميات العباد لله لأنه في نفسه واحد قال الشاعر ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... قال أبو عبيد أراد ثم السلام عليكما لأن اسم السلام هو السلام

 

 

[ صفحة 76 ]

 

 

باب ذكر آيات وأخبار وردت في صفات يستحقها الباري عز وجل بذاته سوى ما ذكرنا في البابين قبله

قال الله عز وجل وهو العلي العظيم وقال وهو العلي الكبير وقال وهو الغني الحميد وقال هو الأول والآخر والظاهر والباطن وقال قل هو الله أحد الله الصمد وقال وهو الحق المبين وقال إنه حميد مجيد وقال الكبير المتعال وقال وما من إله إلا الله الواحد القهار وقال نعم المولى ونعم النصير وقال هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر

 

 

[ صفحة 77 ]

 

 

وقال إن العزة لله جميعا وقال أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقال خبرا عن إبليس فبعزتك لأغوينهم أجمعين وقال ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام وقال وله الكبرياء في السماوات والأرض

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا الحسين بن الفضل البجلي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ح

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا علي بن حمشاد ثنا الحسن بن علي بن زياد ثنا سعيد بن منصور ثنا حماد بن زيد ثنا معبد بن هلال العنزي قال انطلقنا إلى أنس بن مالك رضي الله عنه فذكر حديث الشفاعة ثم ذكر معبد عن الحسن عن أبي الحسن عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

ثم أقوم في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقال لي ليس ذلك لك أوليس ذلك إليك وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله وفي رواية سليمان بن حرب وعزتي وجلالي وعظمتي

 

 

[ صفحة 78 ]

 

 

أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن عبد الملك بن مروان ثنا يزيد بن هارون أنا عاصم عن أبي الوليد عن عائشة رضي الله عنها قالت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بعد الصلاة إلا بمقدار ما يقول

اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام

أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس عن عاصم بن حميد عن عوف بن مالك الأشجعي قال قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه

سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة سورة

وروينا في حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بعد الركوع

أهل الثناء والمجد

 

 

[ صفحة 79 ]

 

 

قال الشيخ رحمه الله وهذه الصفات من كمال أوصاف الإلهية فوجب إثبات كل مدح له ونفي كل نقص عنه

 

 

[ صفحة 80 ]

 

 

باب ذكر آيات وأخبار وردت في صفات زائدات على الذات قائمات به

قال الله جل ثناؤه لا إله إلا هو الحي القيوم وقال وعنت الوجوه للحي القيوم وقال وتوكل على الحي الذي لا يموت فهو حي وله حياة يباين بها صفة من ليس بحي

وقال والله على كل شيء قدير وقال وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وقال ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء فهو عالم وله علم يباين به صفة من ليس بعالم وقال لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل

 

 

[ صفحة 81 ]

 

 

شيء علما أي علمه أحاط بالمعلومات كلها كما قدرته عمت المقدورات كلها

وقال إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وقال وأن القوة لله جميعا والقوة القدرة

وقال إن الله يفعل ما يريد وقال فعال لما يريد وقال وربك يخلق ما يشاء ويختار والمشيئة والإرادة عبارتان عن معنى واحد فهو مريد وله إرادة يباين بها صفة من يكون ساهيا أو مغلوبا أو مكرها

وقال وكان الله سميعا بصيرا وقال قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير فهو سميع بصير وله سمع وبصر يدرك بأحدهما جميع المسموعات وبالآخر جميع المبصرات

وقال وكلم الله موسى تكليما وقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وقال وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب وقال

وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله فهو متكلم وله كلام يباين

 

 

[ صفحة 82 ]

 

 

به صفة الأخرس والساكت وقال هو الأول والآخر والظاهر والباطن وقال الحي القيوم وقيل في معنى القيوم أنه الدائم وقال ويبقى وجه ربك فهو باق وله بقاء ومعنى وصفه بذلك أنه واجب الوجود فيما لا يزال

أخبرنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسن بن داود العلوي رحمه الله أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أبو الأزهر ثنا ابن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن المقبري عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء قال

يا حي يا قيوم

قال الاستاذ الإمام رحمه الله وروينا في الحديث الثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه

أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي القيوم الذي لا يموت والجن والإنس يموتون وقال سعد بن عبادة في حديث الإفك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

 

[ صفحة 83 ]

 

 

لسعد بن معاذ لعمر الله لا نقتله وقال أسيد بن حضير لعمر الله لنقتلنه فحلف كل واحد منهما بحياة الله وببقائه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع

أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق ثنا القعنبي عن عبد الرحمن بن أبي الموال عن محمد بن المنكدر عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الإستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لنا

إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم

أن هذا الأمر وتسميه بعينه الذي تريد خيرا لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري مثل الأول فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به أو قال في عاجل أمري وآجله قال الأستاذ الإمام رحمه الله وفي هذا الحديث الصحيح إثبات صفة العلم وصفة القدرة واستخارة النبي صلى الله عليه وسلم بهما وقد ذكرنا شواهده في كتاب الأسماء والصفات ص 118 119

أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد الفقيه أنا أبو بكر القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق قال ثنا معمر عن همام بن منبه

 

 

[ صفحة 84 ]

 

 

قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة رضي الله عنه قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا يقول أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره له

قال الأستاذ وفي هذا إثبات المشيئة له تعالى عز وجل وأنه يفعل ما يشاء وله شواهد كثيرة

أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الحرفي ببغداد ثنا أحمد بن سلمان النجاد ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان ثنا عباس النرسي ثنا جعفر بن سليمان عن الجريري عن أبي نضرة قال ينتهي القرآن كله إلى أن ربك فعال لما يريد

ورواه سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر وأبي سعيد أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه وفيه إثبات الإرادة لله عز وجل وأن ما أوعد عليه عباده فيما دون الشرك إلى مشيئته كما قال ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء

 

 

[ صفحة 85 ]

 

 

وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وفي هذا إثبات السمع لله عز وجل

وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي ثنا يونس بن محمد ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإيمان قال يعني السائل يا محمد ما الإحسان قال

أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك

قال الأستاذ الإمام رحمه الله وفي هذا إثبات الرؤية لله عز وجل والرؤية والبصر بمعنى واحد

وروينا في حديث الحر والبرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

إذا كان يوم حار ألقى الله سمعه وبصره إلى أهل الأرض فإذا قال العبد لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر جهنم قال الله عز وجل لجهنم إن عبدا من عبادي استجار بي منك

 

 

[ صفحة 86 ]

 

 

وإني أشهدك أني قد أجرته وقال في اليوم الشديد البرو معناه

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ويحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب وأبيه الحارث بن يعقوب حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن بشر بن سعيد عن سعد بن أبي وقاص عن خولة بنت حكيم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه وفي رواية يحيى بكلمات الله التامات وفي هذا إثبات صفة الكلام لله عز وجل وإنما قال بكلمات على طريق التعظيم

وروينا في حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم

ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما

 

 

[ صفحة 87 ]

 

 

وفي حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم

ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان

أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر الرزاز ثنا عبد الله بن محمد بن شاكر ثنا أبو أسامة ثنا الأعمش عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره

 

 

[ صفحة 88 ]

 

 

باب ذكر آيات وأخبار وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين وهذه صفات طريق إثباتها السمع فنثبتها لورود خبر الصادق بها ولا نكيفها قال الله تبارك وتعالى ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فأضاف الوجه إلى الذات وأضاف النعت إلى الوجه فقال ذو الجلال والإكرام ولو كان ذكر الوجه صلة ولم يكن للذات صفة لقال ذي الجلال والإكرام فلما قال ذو الجلال والإكرام علمنا أنه نعت للوجه وهو صفة للذات

وقال الله عز وجل ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي بتشديد الياء من الإضافة وذلك تحقيق في التثنية وفي ذلك منع من حملها على النعمة والقدرة لأنه ليس لتشخيص التثنية في نعم الله ولا في قدرته معنى يصح لأن نعم الله أكثر من أن تحصى ولأنه خرج مخرج التخصيص وتفضيل آدم عليه السلام على إبليس وحملها على القدرة أو على النعمة يزيل معنى التفضيل لاشتراكهما فيها ولا يجوز حملها على الماء والطين لأنه لو أراد ذلك لقال لما خلقت من يدي كما يقال صنعت هذا الكوز من الفضة أو من النحاس فلما قال بيدي علمنا أن المراد بهما غير ذلك وقال الله عز وجل ولتصنع على

 

 

[ صفحة 89 ]

 

 

عيني وقال فإنك بأعيننا

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال أعوذ بوجهك أو من تحت أرجلكم قال أعوذ بوجهك أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال هاتان أيسر وأهون

أخبرنا أبو محمد الأصبهاني أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ثنا روح بن عبادة حدثنا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

يجمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك الملائكة وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا وذكر الحديث

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد ثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي ثنا أبو عمر الحوضي ثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بعث نبي إلا قد أنذر

 

 

[ صفحة 90 ]

 

 

الدجال ألا وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور

قال الأستاذ الإمام رحمه الله وفي هذا نفي نقص العور عن الله سبحانه وإثبات العين له صفة وعرفنا بقوله عز وجل ليس كمثله شيء وبدلائل العقل أنها ليست بحدقة وأن اليدين ليستا بجارحتين وأن الوجه ليس بصورة فإنها صفات ذات أثبتناها بالكتاب والسنة بلا تشبيه وبالله التوفيق

 

 

[ صفحة 91 ]

 

 

باب في ذكر صفة الفعل

قال الله عز وجل خالق كل شيء وقال وخلق كل شيء فقدره تقديرا وقال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وقال فاطر السماوات والأرض وقال وخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور إلى سائر ما ورد في الكتاب في معنى هذه الآيات

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل بن القطان أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش ثنا جامع بن شداد ح

وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه أنا بشر بن موسى ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول

 

 

[ صفحة 92 ]

 

 

هذا الأمر كيف كان قال

كان الله عز وجل ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض

قال الأستاذ الإمام رحمه الله قوله كان الله ولم يكن شيء غيره يدل على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما وكل ذلك أغيار وقوله وكان عرشه على الماء يعني به ثم خلق الماء وخلق العرش على الماء

بيان ذلك في حديث أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ثم خلق العرش على الماء

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو زكريا العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق عن عمر بن حبيب المكي عن حبيب بن قيس الأعرج عن طاوس قال جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فسأله فقال مم خلق الخلق قال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب فقال الرجل مم خلق هؤلاء فتلا عبد الله بن عباس وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه

 

 

[ صفحة 93 ]

 

 

قال فأخبرنا ابن عباس أن الماء والنور والظلمة والريح والتراب مما في السماوات وما في الأرض وقد أخبر الله عز وجل أن مصدر الجميع منه أي من خلقه وإبداعه واختراعه فهو خالق كل شيء خلق الماء أولا أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعده فهو المبدع وهو الباري لا إله غيره ولا خالق سواه

 

 

[ صفحة 94 ]

 

 

باب القول في القرآن

القرآن كلام الله عز وجل وكلام الله صفة من صفات ذاته ولا يجوز أن يكون من صفات ذاته مخلوقا ولا محدثا ولا حادثا قال الله جل شأنه إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فلو كان القرآن مخلوقا لكان الله سبحانه قائلا له كن والقرآن قوله ويستحيل أن يكون قوله مقولا له لأن هذا يوجب قولا ثانيا والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالأول وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له وهو فاسد وإذا فسد أن يكون القرآن مخلوقا ووجب أن يكون القول أمرا أزليا متعلقا بالمكون فيما لا يزال كما أن الأمر متعلق بصلاة غد وغد غير موجود ومتعلق بمن يخلق من المكلفين إلى يوم القيامة إلا أن تعليقه بهم على الشرط الذي يصح فيما بعد كذلك قوله في التكوين وهذا كما أن علم الله عز وجل أزلي متعلق بالمعلومات عند حدوثها وسمعه أزلي متعلق بإدراك المسموعات عند ظهورها وبصره أزلي متعلق بإدراك المرئيات عند وجودها من غير حدوث معنى فيه تعالى عن أن يكون محلا للحوادث وأن يكون شيء من صفات ذاته محدثا ولأن الله عز وجل قال الرحمن علم القرآن خلق الإنسان فلما جمع في الذكر بين القرآن الذي هو كلامه وصفته

 

 

[ صفحة 95 ]

 

 

وبين الإنسان الذي هو خلقه ومصنوعه خص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق فلو كان القرآن مخلوقا كالإنسان لقال خلق القرآن والإنسان

وقال ألا له الخلق والأمر ففرق بين خلقه وأمره بالواو الذي هو حرف الفصل بين الشيئين المتغايرين فدل على أن قوله غير خلقه وقال لله الأمر من قبل ومن بعد يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق وقال ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وقال لولا كتاب من الله سبق والسبق على الإطلاق يقتضي سبق كل شيء سواه وقال وكلم الله موسى تكليما ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم قائما بغيره ثم يكون هو به متكلما مكلما دون ذلك الغير كما لا يجوز ذلك في العلم والسمع والبصر وقال وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقا في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين

ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى

 

 

[ صفحة 96 ]

 

 

عليه السلام من الله وإنما سمعه من شجرة وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء وموسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقا في شجرة ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن الله عز وجل مكلما لموسى من وراء حجاب ولأن كلام الله عز وجل لموسى عليه السلام لو كان مخلوقا في شجرة كما زعموا لزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى وقال له إنني أنا ربك لا إله إلا أنا فاعبدني وهذا ظاهر الفساد

وقد احتج علي بن إسماعيل رحمه الله بهذه الفصول واحتج بها غيره من سلفنا رحمهم الله

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا الحسن بن رشيق إجازة ثنا محمد بن سفيان بن سعيد ثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني بمكة قال سمعت الجارودي يقول ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن علية فقال أنا مخالف له في كل شيء وفي قوله لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب

قلنا ولأن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا إن هذا إلا قول البشر يعنون القرآن فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا

 

 

[ صفحة 97 ]

 

 

للبشر وهذا مما أنكره الله على المشركين ولأن الله تعالى قال لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا فلو كانت البحار مدادا يكتب به لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات الله عز وجل كما لا يلحق الفناء علم الله لأن من فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت فلما لم يجر ذلك على ربنا عز وجل صح أنه لم يزل متكلما ولا يزال متكلما وقد نفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن وجهه

وأما قول الله عز وجل إنه لقول رسول كريم معناه قول تلقاه عن رسول كريم أو سمعه من رسول كريم أو نزل به رسول كريم فقد قال فأجره حتى يسمع كلام الله فأثبت أن القرآن كلام الله عز وجل ولا يكون شيء واحد كلاما للرسول صلى الله عليه وسلم وكلاما لله دل أن المراد بالأول ما قلنا

وقوله إنا جعلناه قرآنا عربيا معناه سميناه قرآنا عربيا وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه وهو كما قال الله عز وجل ويجعلون لله ما يكرهون يعني يصفون لله ما يكرهون ولم يرد به الخلق

وقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون يحتمل أن يكون معناه ذكرا غير القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم بقوله وذكر فإن الذكرى تنفع

 

 

[ صفحة 98 ]

 

 

المؤمنين ولأنه لم يقل لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا وإنما قال ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون فدل على أن ذكرا غير محدث ثم إنه إنما أراد ذكر القرآن لهم وتلاوته عليهم وعلمهم به وكل ذلك محدث والمذكور المتلو المعلوم غير محدث كما أن ذكر العبد لله وعلمه به وعبادته له محدث والمذكور المعلوم المعبود غير محدث وحين احتج به على أحمد بن حنبل رحمه الله قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه قد يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه محدث

قال الشيخ رحمه الله وهذا الذي أجاب به أحمد بن حنبل رحمه الله في الآية وإتيانه تنزيله على لسان الملك الذي أتى به والتنزيل محدث وقد أجاب أحمد بن حنبل رحمه الله بالجواب الأول

وأما تسمية عيسى بكلمة الله فعلى أنه صار مكونا بكلمة الله من غير أب كما صار آدم مكونا بكلمة الله من غير أب ولا أم وقد بينه بقوله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

وقد روينا في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وكتب في الذكر كل شيء والقرآن فيما كتب في الذكر لقوله عز وجل بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وفي ذلك دلالة على قدم القرآن ووجوده قبل وقوع الحاجة إليه

ومما يدل على ذلك الحديث الصحيح الذي أخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب وأبو الفضل بن

 

 

[ صفحة 99 ]

 

 

إبراهيم قالا حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري حدثنا أنس بن عياض حدثنا الحارث بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز وعن عبد الرحمن الأعرج قالا سمعنا أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى عليه السلام فقال موسى أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك الله نجيا فبكم وجدت التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني أن أعمل عملا كتب الله علي عمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى

قال الشيخ وهذا التاريخ يرجع إلى إظهاره ذلك لمن شاء من ملائكته وفي ذلك مع الآية دلالة على وجوده قبل وقوع الخطيئة من آدم عليه السلام

 

 

[ صفحة 100 ]

 

 

وكلام الله تعالى موجود فيما لم يزل موجود فيما لا يزال وبإسماعه كلامه من شاء من ملائكته ورسله وعباده متى شاء صار كلامه مسموعا له بلا كيف والمسموع كلامه الذي لم يزل موصوفا به وكلامه لا يشبه كلام المخلوقين كما لا يشبه سائر أوصافه أوصاف المخلوقين وبالله التوفيق

أخبرنا أبو علي الحسن بن إبراهيم بن أحمد بن شاذان ببغداد أنا حمزة بن محمد بن العباس ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا محمد بن كثير العبدي أنا إسرائيل ثنا عثمان بن المغيرة عن سالم يعني ابن الجعد عن جابر بن عبد الله قال لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسالة جعل يقول يا قوم لم تؤذونني أن أبلغ كلام ربي يعني القرآن

أخبرنا الحسين بن محمد بن علي الروذباري أنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا العباس بن عبد العظيم ثنا الأحوص بن جواب ثنا عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن الحارث وأبي ميسرة عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند مضجعه

اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم اللهم لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك

 

 

[ صفحة 101 ]

 

 

قال الأستاذ الإمام رحمه الله فاستعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر وغيره بكلمات الله كما استعاذ بوجهه الكريم فكما أن وجهه الذي استعاذ به غير مخلوق فكذلك كلماته التي استعاذ بها غير مخلوقة وكلام الله واحد لم يزل ولا يزال وإنما جاء بلفظ الجمع على معنى التعظيم كقوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وإنما سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه عيب أو نقص كما يكون ذلك في كلام الآدميين

أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد أبادي ثنا حامد بن محمود ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال سمعت الجراح الكندي عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

خياركم من تعلم القرآن وعلمه

قال أبو عبد الرحمن فذاك الذي أجلسني هذا المجلس وكان يقرىء القرآن قال وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه وذلك بأنه منه

قال الشيخ قوله وذلك بأنه منه يريد به أنه من صفاته

وأنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو أسامة الكلبي ثنا شهاب بن عباد ثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول الله عز وجل من شغله قراءة القرآن عن مسألتي

 

 

[ صفحة 102 ]

 

 

أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه

قال الأستاذ رحمه الله قال أصحابنا لما كان من فضل الله على خلقه أنه قديم غير مخلوق كان من فضل كلامه على كلام خلقه أنه لم يزل غير مخلوق

أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل رضي الله عنه ثنا أبو معمر الهندي عن شريح بن النعمان حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم أن أبا بكر رضي الله عنه قرأ عليهم قوله عز وجل ألم غلبت الروم فقالوا كلامك هذا أم كلام صاحبك قال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكن كلام الله عز وجل

 

 

[ صفحة 103 ]

 

 

أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا إبراهيم بن موسى ثنا ابن أبي زائدة عن مجالد عن عامر يعني الشعبي عن عامر بن شهر قال كنت عند النجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحكت فقال أتضحك من كلام الله عز وجل

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو زكريا العنبري ثنا محمد بن عبد السلام ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل الأشجعي قال كنت جارا لخباب بن الأرت فخرجنا مرة من المسجد فأخذ بيدي فقال يا هناه تقرب

 

 

[ صفحة 104 ]

 

 

إلى الله بما استطعت وإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان ثنا ابن نمير ثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس حدثني إياس عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته إن أصدق الحديث كلام الله عز وجل

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ أنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن عيسى الصفار ثنا أبو عوانة ثنا عثمان بن خرزاد ثنا خالد بن خداش حدثني ابن وهب أنا يونس بن يزيد عن الزهري قال قال عمر رضي الله عنه القرآن كلام الله وروي أيضا عن أبي الزعراء عن عمر رضي الله عنه

 

 

[ صفحة 105 ]

 

 

أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا محمد بن العباس بن أيوب ثنا أبو عمر بن أيوب الصريفيني ثنا سفيان بن عيينة ثنا إسرائيل أبو موسى قال سمعت الحسن يقول قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا وإني لأكره أن يأتي على يوم لا أنظر في المصحف

قال الأستاذ رحمه الله وروينا في كتاب الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال ما حكمت مخلوقا ما حكمت إلا القرآن

وعن عكرمة قال صلى ابن عباس رضي الله عنه على جنازة فقال رجل من القوم اللهم رب القرآن العظيم اغفر له فقال ابن عباس ثكلتك أمك إن القرآن منه إن القرآن منه يعني أنه من صفاته

أخبرنا أبو منصور الفقيه أنا أبو أحمد الحافظ أنا أبو عروبة السلمي قال حدثنا سلمة بن شبيب ثنا الحكم بن محمد ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون

قال أبو أحمد وأنا محمد بن سليمان بن فارس واللفظ له أنا محمد يعني ابن إسماعيل البخاري قال قال الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثنا من سمع سفيان بن عيينة قال أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق

 

 

[ صفحة 106 ]

 

 

قال الأستاذ الإمام رحمه الله هكذا وقعت هذه الحكاية في تاريخ البخاري عن الحكم بن محمد عن سفيان أدركت ورواه غيره عن سفيان عن عمرو أنه قال سمعت وكذلك رواه الحميدي وغيره عن سفيان عن عمرو أنه قال أدركت ومشايخ عمرو بن دينار جماعة من الصحابة ثم أكابر التابعين فهو حكاية إجماع منهم

 

 

[ صفحة 107 ]

 

 

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد ثنا أحمد بن عثمان الآدمي ثنا ابن أبي العوام ثنا موسى بن داود الضبي عن معبد أبي عبد الرحمن عن معاوية بن عمار قال سألت جعفر بن محمد فقلت إنهم يسألوننا عن القرآن أمخلوق هو قال ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله عز وجل

قال رحمه الله وكذلك رواه سويد بن سعيد عن معاوية بن عمار عن جعفر الصادق وكذلك رواه قيس بن الربيع عن جعفر فهو عن جعفر صحيح مشهور

وقد روي ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين

وروي عن الزهري عن علي بن الحسين

ورويناه من أوجه عن مالك بن أنس وهو مذهب كافة أهل العلم قديما وحديثا وقد ذكرنا أسامي أئمتهم وكبرائهم الذين صرحوا بهذا ورأوا استتابة من قال بخلافه في كتاب الأسماء والصفات ص 239 وما بعدها

وروينا عن محمد بن سعيد بن سابق أنه قال سألت أبا يوسف فقلت أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق فقال معاذ الله ولا أنا أقوله

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا عبد الله بن محمد الفقيه أنا أبو

 

 

[ صفحة 108 ]

 

 

جعفر الأصبهاني أنا أبو يحيى الساجي إجازة قال سمعت أبا شعيب المصري يقول سمعت محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله يقول القرآن كلام الله غير مخلوق وبمعناه رواه الربيع بن سليمان عن أبي شعيب عن الشافعي رحمه الله

قال الأستاذ الإمام رحمه الله وقد ذكر الشافعي رحمه الله ما دل على أن ما نتلوه في القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا ونكتبه في مصاحفنا يسمى كلام الله عز وجل وأن الله عز وجل كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم وبمعناه ذكره أيضا علي بن إسماعيل في كتاب الإبانة

قال الشافعي رحمه الله في كتاب الجزية من جاء من المشركين فعلى الإمام أن يجيره حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه كان ذلك فرضا على الإمام لقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه

وقال في كتاب الإيمان فيمن حلف أن لا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا من قال يحنث ذهب إلى الله تعالى قال وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وقال إن الله تعالى يقول للمؤمنين في المنافقين قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وإنما نبأهم من أخبارهم بالوحي الذي تنزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ويخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بوحي الله قال ومن قال لا يخنث قال إن كلام الآدميين لا يشبه كلام الله عز وجل كلام الآدميين

 

 

[ صفحة 109 ]

 

 

بالمواجهة قال الأستاذ الإمام رحمه الله وذكر باقي المسألة وهو فيما قرأته على أبي سعيد بن أبي عمرو في هذين الكتابين أن أبا العباس محمد بن يعقوب حدثهم قال أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي رحمه الله فذكره

فقد سمى الشافعي رحمه الله على القولين جميعا ما نسميه من القرآن كلام الله وأن الله كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم وأن كلام الآدميين وإن كان يكون بالمواجهة في الحكم في أحد القولين فكلام الله تعالى عبادة قد يكون بالرسالة والوحي كما جاء به الكتاب ويسمى ذلك كلاما وتكليما والله أعلم

وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل رحمه الله تعالى في كتابه فإن قال قائل حدثونا أتقولون إن كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ قيل له نقول ذلك لأنه قال بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم قال الله تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وهو متلو بالألسنة قال الله تعالى لا تحرك به لسانك فالقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال فأجره حتى يسمع كلام الله

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ ثنا أبو بكر محمد بن

 

 

[ صفحة 110 ]

 

 

أبي الهيثم المطوعي ببخارى ثنا محمد بن يوسف الفربري قال سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول سمعت عبد الله بن سعيد يعني أبا قدامة يقول سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول ما زلت أسمع أصحابنا يقولون أفعال العباد مخلوقة

قال أبو عبد الله البخاري حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق قال الله عز وجل بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم

قال الشيخ الأستاذ الإمام رحمه الله وهذا القول لا يخالف قول أحمد بن حنبل رحمه الله

وقد روينا عنه في كتاب الأسماء والصفات أنه أنكر على تلميذه أبي طالب قوله لفظي بالقرآن غير مخلوق وكره الكلام في اللفظ قال وسمعت أبا عمرو الأديب يقول سمعت أبا بكر الإسماعيلي يقول سمعت عبد الله بن محمد بن ناجية يقول سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو كافر

 

 

[ صفحة 111 ]

 

 

قال الشيخ رضي الله عنه فإنما أنكر قول من تذرع بهذا إلى القول بخلق القرآن وكان يستحب ترك الكلام فيه لهذا المعنى والله أعلم

 

 

[ صفحة 112 ]

 

 

باب القول في الاستواء

قال الله تبارك وتعالى الرحمن على العرش استوى والعرش هو السرير المشهور فيما بين العقلاء قال الله عز وجل وكان عرشه على الماء وقال وهو رب العرش العظيم وقال ذو العرش المجيد وقال وترى الملائكة حافين من حول العرش وقال الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم الآية وقال ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وقال إن ربكم الله الذي

 

 

[ صفحة 113 ]

 

 

خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقال الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وقال ثم استوى على العرش وقال وهو القاهر فوق عباده وقال يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون وقال إليه يصعد الكلم الطيب إلى سائر ما ورد في هذا المعنى وقال أأمنتم من في السماء وأراد من فوق السماء كما قال ولأصلبنكم في جذوع النخل يعني على جذوع النخل وقال فسيحوا في الأرض يعني على الأرض وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلى السماوات فمعنى الآية والله أعلم أأمنتم من على العرش كما صرح به في سائر الآيات

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن محمد بن حمدان ثنا محمد بن غالب ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر ثنا فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره فإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن

 

 

[ صفحة 114 ]

 

 

ومنه تتفجر أنهار الجنة

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن خالد بن خلي ثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة عن أبيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي

قال الأستاذ الإمام رحمه الله والأخبار في مثل هذا كثيرة وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان وقوله عز وجل وهو معكم أينما

 

 

[ صفحة 115 ]

 

 

كنتم إنما أراد به بعلمه لا بذاته ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز

 

 

[ صفحة 116 ]

 

 

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو جعفر أحمد بن زيرك اليزدي قال سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري يقول سمعت يحيى بن يحيى يقول كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك رأسه ثم علاه الرحضاء ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا فأمر به أن يخرج

قال الشيخ وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء وفي مسألة المجيء والإتيان والنزول قال الله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا وقال هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ثنا أحمد بن سلمان قال قرئ على سليمان بن الأشعث ح

وأخبرنا أبو علي الروزذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني

 

 

[ صفحة 117 ]

 

 

فأعطيه من يستغفرني فأغفر له

قال رحمه الله وهذا حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين 1 منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله ووكل علمه إلى الله ونفى الكيفية والتشبيه عنه 2 ومنهم من قبله وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة ولا يناقض التوحيد

وقد ذكرنا هاتين الطريقتين في كتاب الأسماء والصفات في المسائل التي تكلموا فيها من هذا الباب

وفي الجملة يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشيء من خلقه لكنه مستو على عرشه كما أخبر بلا كيف بلا أين بائن من جميع خلقه وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان وأن مجيئه ليس بحركة وأن نزوله ليس بنقلة وأن نفسه ليس بجسم وأن وجهه ليس بصورة وأن يده ليست بجارحة وأن عينه ليست بحدقة وإنما هذه أوصاف جاء بها التوقيف فقلنا بها ونفينا عنها التكييف فقد

 

 

[ صفحة 118 ]

 

 

قال ليس كمثله شيء وقال ولم يكن له كفوا أحد وقال هل تعلم له سميا

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا الهيثم بن خارجة حدثنا الوليد بن مسلم قال سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفية

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني محمد بن يزيد سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول كل ما وصف الله من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه قال الشيخ وإنما أراد به والله أعلم فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف وتكييفه يقتضي تشبيهه له بخلقه في أوصاف الحدوث

أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري أنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا القعنبي ثنا يزيد بن إبراهيم عن عبد الله بن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب قالت رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

فإذا رأيتم

 

 

[ صفحة 119 ]

 

 

الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن علي الفقيه القفال ثنا عمر بن محمد بن بحير ثنا يونس بن عبد الأعلى قال قال لي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله لا يقال للأصيل لم ولا كيف

قال الشيخ وقال في رواية الربيع بن سليمان عنه الأصل كتاب الله أو سنة نبيه أو قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع الناس

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي فذكره

 

 

[ صفحة 120 ]

 

 

باب القول في إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار

قال الله عز وجل وجوه يومئذ يعني يوم القيامة ناضرة يعني مشرقة إلى ربها ناظرة وليس يخلو النظر من وجوه 1 إما أن يكون الله عز وجل عنى به نظر الاعتبار كقوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت 2 أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله ما ينظرون إلا صيحة واحدة 3 أو يكون عنى به نظر التعطف والرحمة كقوله ولا ينظر إليهم 4 أو يكون عنى الرؤية كقوله ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله إلى ربها ناظرة

 

 

[ صفحة 121 ]

 

 

نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار وإنما هي دار اضطرار ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير والآية خرجت مخرج البشارة وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعيم المقيم فهم ممكنون مما أرادوا وقادرون عليه وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله إلى ربها ناظرة نظر الانتظار ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه كما في قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ولأنه قال إلى ربها ناظرة ونظر الانتظار لا يكون مقرونا ب إلى لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار إلى ألا ترى أن الله عز وجل لما قال ما ينظرون إلا صيحة واحدة لم يقل إلى إذ كان معناه الانتظار وقالت بلقيس فيما أخبر الله عنها فناظرة بم يرجع المرسلون فلما أرادت الانتظار لم تقل إلى

قلنا ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم

فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله إلى ربها ناظرة أنها رائية ترى الله عز وجل

ولا يجوز أن يكون معناه إلى ثواب ربها ناظرة لأن ثواب الله غير الله وإنما قال الله عز وجل إلى ربها ولم يقل إلى غير ربها ناظرة والقرآن على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة ألا ترى

 

 

[ صفحة 122 ]

 

 

أنه لما قال فاذكروني أذكركم واشكروا لي لم يجز أن يقال أراد ملائكتي ورسلي

ثم نقول إن جاز لكم أن تدعوا هذا في قوله إلى ربها ناظرة جاز لغيركم أن يدعيه في قوله لا تدركه الأبصار فيقول أراد بها لا تدرك غيره ولم يرد أنها لا تدركه الأبصار وإذا لم يجز ذلك لم يجز هذا

ولا حجة لهم في قوله لا تدركه الأبصار فإنما أراد به لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقا كما قال كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه ولما قال في وجوه المؤمنين وجوه يومئذ فقيدها بيوم القيامة ووصفها فقال ناضرة ثم أثبت لها الرؤية فقال إلى ربها ناظرة علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعا بين الآيتين حملا للمطلق من الكلام على المقيد منه

ثم قال بعض أصحابنا إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤية والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤية فالله يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علما

ومما يدل على أن الله عز وجل يرى بالأبصار قول موسى الكليم عليه السلام رب أرني أنظر إليك ولا يجوز أن يكون نبي من

 

 

[ صفحة 123 ]

 

 

الأنبياء قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربه ما يستحيل عليه وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا عز وجل

ومما يدل على ذلك قول الله عز وجل لموسى عليه السلام فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما كان الله قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى فدل ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين وأنه جائز رؤيته

وقوله لن تراني أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل ما مضى من الآية ولأن الله تعالى قال تحيتهم يوم يلقونه سلام واللقاء إذا أطلق على الحي السليم لم يكن إلا رؤية العين وأهل هذه التحية لا آفة بهم ولأنه قال ولدينا مزيد وقال للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله عز وجل فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار

ونحن ذاكرون أقوال بعضهم على طريق الاختصار فقد أفردنا لإثبات الرؤية كتابا وبالله التوفيق

أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عمر بن برهان وأبو الحسين بن

 

 

[ صفحة 124 ]

 

 

بشران في آخرين ببغداد قالوا أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا الحسن ابن عرفة ثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم تروه قال فيقولون فما هو ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه قال فوالله ما أعطاهم الله عز وجل شيئا هو أحب إليهم منه قال ثم قرأ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة

قال الأستاذ الإمام رحمه الله ورواه هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة بإسناده ومعناه إلا أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

والذي نفسي بيده ما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم ولا أقر لأعينهم من النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه ثنا محمد بن نصر المروزي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة فذكره

قال رحمه الله وروينا عن أبي بن كعب وكعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال النظر إلى وجه الرحمن

 

 

[ صفحة 125 ]

 

 

أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس الأصم ثنا محمد بن الجهم ثنا الفراء حدثني أبو الأحوص عن أبي إسحاق ح

وأخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد بن بلال ثنا أحمد بن منصور المروزي ثنا عمر بن يونس أنا محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال زيدوا النظر إلى ربهم

وفي رواية أبي الأحوص قال النظر إلى وجه الرب عز وجل

قال رضي الله عنه تابعهما إسرائيل عن أبي إسحاق وروينا هذا في التفسير عن حذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن الحسن للذين أحسنوا الحسنى قال الجنة و زيادة قال النظر إلى وجه الرب عز وجل

قال الأستاذ الإمام رحمه الله وروينا عن سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط وقتادة وغيرهم من التابعين معنى قول الحسن البصري في تفسيره الزيادة في هذه الآية بالنظر إلى وجه ربهم عز وجل

 

 

[ صفحة 126 ]

 

 

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق ثنا أبو نعيم ثنا سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس وجوه يومئذ ناضرة يعني حسنها إلى ربها ناظرة قال نظرت إلى الخالق

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا آدم بن أبي إياس ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله عز وجل وجوه يومئذ ناضرة قال حسنة إلى ربها ناظرة قال تنظر إلى ربها عز وجل حسنها الله بالنظر إليه وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ربها قال رحمه الله وروينا في ذلك عن عكرمة وغيره من التابعين

أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا مسدد ثنا إسماعيل بن علية ثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإيمان قال

الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر وذكر باقي الحديث

 

 

[ صفحة 127 ]

 

 

قال الأستاذ الإمام رحمه الله واللقاء المذكور في هذا الحديث هو لقاء الله عز وجل فقد أفرد البعث بالذكر وقال في حديث دعاء التهجد ووعدك حق ولقاؤك حق

وفي رواية أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم

وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم

اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله

وفي الكتاب فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر الجراحي ثنا يحيى بن ساسويه ثنا عبد الكريم السكري ثنا وهب بن زمعة أخبرني علي بن الباشاني قال سألت عبد الله بن المبارك عن قوله عز وجل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يخبر به أحدا

 

 

[ صفحة 128 ]

 

 

أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا الحسن بن محمد بن الصباح ثنا وكيع بن الجراح حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال

أما أنكم ستعرضون على ربكم عز وجل فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا

وأخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي ثنا أبو العباس الأصم حدثني أحمد بن يونس الضبي ثنا يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد فذكره بإسناده ومعناه زاد عند قوله وقبل غروبها ثم قرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب

قال الشيخ الإمام أحمد رحمه الله سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان رحمه الله يقول فيما أملاه علينا في قوله لا تضامون في رؤيته بضم التاء وتشديد الميم يريد لا تجتمعون لرؤيته من جهته ولا يضم بعضكم إلى بعض لذلك فإنه عز وجل لا يرى في جهة كما يرى المخلوق في جهة ومعناه بفتح التاء لا تضامون لرؤيته مثل معناه بضمها لا تتضامون في رؤيته بالاجماع في جهة وهو دون تشديد الميم من الضيم معناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض وأنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو يتعالى عن جهة قال والتشبيه برؤية القمر ليقين الرؤية دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا

 

 

[ صفحة 129 ]

 

 

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني الحسين بن علي الدارمي ثنا يحيى بن محمد بن صاعد ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي ثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم عيانا

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ثنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري أخبرنا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبرهما أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قالا ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنا أبو جعفر بن عون أنا هشام بن سعد ثنا زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال

هل تمارون في رؤية الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب قال قلنا لا يا رسول الله قال

فهل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال

ما تمارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تمارون في رؤية أحدهما

قال الأستاذ الإمام رحمه الله قوله تمارون أصله تتمارون

 

 

[ صفحة 130 ]

 

 

فأسقطت إحداهما وهو من المرية وهي الشك في الشيء والاختلاف فيه يقول ترون ربكم يوم القيامة بلا شك ولا مرية كما ترون الشمس والقمر في دار الدنيا بلا شك ولا مرية

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم المزكي ثنا أحمد بن سلمة ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن

قال الأستاذ الإمام رضي الله عنه قوله رداء الكبرياء هو ما يتصف به من إرادة احتجاب الأعين عن رؤيته فإذا أراد إكرام أوليائه بها رفع ذلك الحجاب عن أعينهم بخلق الرؤية فيها ليروه بلا كيف وقوله في جنة عدن يعني والناظرون في جنة عدن

ولهذه الأخبار الصحيحة شواهد من حديث علي بن أبي طالب وعمار ابن ياسر وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وجابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعدي ابن حاتم وأبي رزين العقيلي وأنس بن مالك وبريدة بن حصيب وغيرهم رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم

وقال رضي الله عنه وروينا في إثبات الرؤية عن أبي بكر الصديق

 

 

[ صفحة 131 ]

 

 

رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي موسى وغيرهم رضي الله عنهم

ولم يرو عن أحد منهم نفيها ولو كانوا فيه مختلفين لنقل اختلافهم إلينا وكما أنهم لما اختلفوا في رؤيته بالأبصار في الدنيا نقل إختلافهم في ذلك إلينا فلما نقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف يعني في الآخرة كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين مجتمعين وبالله التوفيق

أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي سمعت جعفر بن محمد بن الحارث يقول سمعت الحسن بن محمد بن بحر يقول سمعت المزني يقول سمعت ابن هرم القرشي يقول سمعت الشافعي رحمه الله يقول في قول الله عز وجل كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال فلما حجبهم في السخط كان هذا دليلا على أنهم يرونه في الرضا

وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا علي بن عمر الحافظ قال ذكر إسحاق الطحان المصري ثنا سعيد بن أسد قال قلت للشافعي رحمه الله ما تقول في حديث الرؤية فقال لي يا ابن أسد اقض علي حييت أو مت أن كل حديث يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أقول به وإن لم يبلغني

 

 

[ صفحة 132 ]

 

 

باب القول في الإيمان بالقدر

قال الله عز وجل وكل شيء أحصيناه في إمام مبين وقال ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها وقال يعلم السر وأخفى وقال إنا كل شيء خلقناه بقدر

والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر يقال قدرت الشيء وقدرته بالتشديد والتخفيف فهو قدر أي مقدور ومقدر كما يقال هدمت البناء فهو هدم أي مهدوم وقبضت الشيء فهو قبض أي مقبوض

فالإيمان بالقدر هو الإيمان بتقدم علم الله سبحانه بما يكون من إكساب الخلق وغيرها من المخلوقات وصدور جميعها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها

أخبرنا أبو الحسن بن بشران أنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا

 

 

[ صفحة 133 ]

 

 

كهمس بن الحسن قال سمعت عبد الله بن بريدة يحدث عن يحيى بن يعمر قال

كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقنا حجاجا أنا وحميد بن عبد الرحمن فلما قدمنا قلنا لو لقينا بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء القوم في القدر قال فوافقنا عبد الله بن عمر في المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله

قال يحيى فظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي فقلت يا أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويعرفون العلم يزعمون أن لا قدر وإنما الأمر أنف فقال عبد الله فإذا لقيتم أولئك فأخبروهم أني بريء منهم وهم مني برآء والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله عز وجل منه حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره ثم قال حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا نعرفه حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام ما الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه السبيل فقال الرجل صدقت قال عمر رضي الله عنه فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال يا محمد أخبرني عن

 

 

[ صفحة 134 ]

 

 

الإيمان ما الإيمان فقال

الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره فقال صدقت فقال أخبرني عن الإحسان ما الإحسان فقال

الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال فحدثني عن الساعة متى الساعة قال

ما المسؤول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال

أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان ثم انطلق فقال عمر رضي الله عنه فلبثت مليا ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر ما تدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال

ذاك جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم

وأخبرنا علي بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا يعلى بن عبيد ثنا أبو سنان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة قال كنت أنا وابن يعمر جالسين في المسجد فجاء ابن عمر فذكر الحديث في سؤال الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان وقال في جوابه قال

أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والجنة والنار والقدر خيره وشره من الله عز وجل

 

 

[ صفحة 135 ]

 

 

أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعيم ثنا سفيان ح

وأخبرنا أبو ذر بن أبي الحسين بن أبي القاسم المذكر ثنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الأصبهاني الزاهد ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤدب ثنا الحسين بن حفص ثنا سفيان عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر قال فنزلت هذه الآية إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه ثنا محمد بن نصر ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي قال قرأت على مالك بن أنس عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاوس قال أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون كل شيء بقدر قال وسمعت عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

كل شيء بقدر

 

 

[ صفحة 136 ]

 

 

حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو ثنا عبد الصمد بن الفضل ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ثنا حيوة ثنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلى قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة

وأخبرنا الحسين بن محمد بن علي الروذباري أنا أبو بكر بن داسة ثنا أبو داود ثنا جعفر بن مسافر الهذلي ثنا يحيى بن حسان ثنا الوليد ابن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة قال قال عبادة بن الصامت لابنه يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله جل ثناؤه القلم فقال له اكتب قال رب وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني

 

 

[ صفحة 137 ]

 

 

أخبرني أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ رحمه الله ببغداد أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ثنا إسحاق بن الحسن ثنا إبراهيم ثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال

ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة قالوا يا رسول الله أفلا نتكل قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى

قال الشيخ الإمام رحمه الله وقوله فكل ميسر يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر به قبل وجوده وكونه وأمر بالعمل الذي هو أمارة له ليكون راجيا خائفا

أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أنا أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله رضي الله عنه قال ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق

أن أحدكم يجمع خلقه

 

 

[ صفحة 138 ]

 

 

في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع اكتب رزقه وعمله وأجله وشقي هو أم سعيد والذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى عليهما السلام فقال موسى أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة أتلومني على أمر قدره علي قبل أن يخلقني قال فحج آدم موسى

قال رحمه الله ورواه أيضا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف المصري بمكة حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت إملاء حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا القعنبي

 

 

[ صفحة 139 ]

 

 

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار ثنا أبو السري موسى بن الحسن ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رقبة بن مسقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا

أخبرنا أبو الخير جامع بن أحمد الوكيل المحمد أبادي أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد أبادي ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا عبد الرحمن بن المبارك ثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

السعيد من سعد في بطن أمه

قال رحمه الله ورواه يحيى بن عبد الله ورواه يحيى بن عبد الله التيمي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه

والشقي من شقي في بطن أمه

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عباس بن عبد الله الترقفي ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ثنا نافع بن يزيد وابن لهيعة وكهمس بن الحسن وهمام بن يحيى عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم

يا غلام أو يا

 

 

[ صفحة 140 ]

 

 

بني ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى فقال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه فاعمل لله بالشكر في اليقين واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا

قال الأستاذ الإمام رحمه الله ورواه الليث بن سعد عن قيس بن الحجاج وقال في الحديث

رفعت الأقلام وجفت الصحف ولهذا الحديث شواهد عن ابن عباس رضي الله عنه وحديث

السعيد من سعد في بطن أمه لا يخالف الأحاديث الواردة في المقادير وجريان القلم بما يكون فإنه إنما يسعد في بطن أمه من جرى القلم بسعادته وإنما جرى القلم بسعادة من كان في علم الله وفي تقديره سعادته

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق أنا الحسن بن علي بن زياد ثنا سعيد بن سليمان ثنا سعيد بن عبد الرحمن قال سمعت أبا حازم يقول إن الله عز وجل علم قبل أن يكتب وكتب

 

 

[ صفحة 141 ]

 

 

قبل أن يخلق فمضى الخلق على علمه وكتابه

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن شهاب أن أبا خزامة حدثه أن أباه حدثه أنه قال يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به ورقي نسترقيها وتقى نتقيه هل يرد ذلك من قدر الله من شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إنه من قدر الله

قال الشيخ رحمه الله الذي يشهد لهذا الحديث بالصحة قوله صلى الله عليه وسلم

كل ميسر لما خلق له فهو إذا تداوى أو استرقى أو اتقى فبتقدير الله وتيسيره أمكنه ذلك ولو لم يقدره لم يتيسر منه فعل ذلك وبالله التوفيق

 

 

[ صفحة 142 ]

 

 

باب القول في خلق الأفعال

قال الله عز وجل ذلكم الله ربكم خالق كل شيء فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء فنفى أن يكون خالق غيره ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق فلو كانت الأفعال غير مخلوقه لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها وهذا خلاف الآية

ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه ولكانوا أتم قوة منه وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه ولأن الله تعالى قال والله خلقكم وما تعملون فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي ثنا يونس بن محمد ثنا شيبان عن قتادة في قوله أتعبدون ما تنحتون قال الأصنام والله خلقكم وما

 

 

[ صفحة 143 ]

 

 

تعملون قال خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم

قلنا ولأن الله تعالى قال وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم فامتدح بالقولين جميعا فكما لا يخرج شيء من علمه لا يخرج شيء غيره من خلقه ولأنه قال وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق فأخبر أن قولهم وسرهم وجهرهم خلقه وهو بجميع ذلك عليم وقال وأنه هو أضحك وأبكى كما قال وأنه هو أمات وأحيا فكما كان مميتا محييا بأن خلق الموت والحياة كان مضحكا مبكيا بأن خلق الضحك والبكاء وقد يضحك الكافر سرورا بقتل المسلمين وهو منه كفر وقد يبكي حزنا بظهور المسلمين وهو منه كفر فثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها

ولأنه قال فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وقال أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه وأثبت فعلها لنفسه ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا عز وجل على ما أراد فهي من الله سبحانه خلق على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة وهي من عباده

 

 

[ صفحة 144 ]

 

 

كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي أكسابهم ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها على ما أراد غير مكتسبها وهو الله ربنا خلقنا وخلق أفعالنا لا شريك له في شيء من خلقه تبارك الله رب العالمين

وكان الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان يعبر عن هذا بعبارة حسنة فيقول فعل القادر القديم خلق وفعل القادر المحدث كسب فتعالى القديم عن الكسب وجل وصغر المحدث عن الخلق وذل

وقد أثبت الله سبحانه كسب العباد وخلقه كسبهم بما ذكرنا من الآيات في هذا الموضع وفي كتاب القدر مما لم نذكره ها هنا وبمثل ذلك جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو النضر الفقيه ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا علي بن المديني ثنا مروان بن معاوية ثنا أبو مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الله يصنع كل صانع وصنعته

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا هشام ح

وأنا عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق أنا محمد بن عيسى بن السكن الواسطي ثنا القواريري ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال

الخير والشر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة وفي رواية أبي داود والذي نفسي بيده إن المعروف والمنكر لخليقتان ينصبان للناس يوم القيامة فأما المعروف فيعد أهله الخير ويمنيهم وأما المنكر

 

 

[ صفحة 145 ]

 

 

فيقول إليكم إليكم وما يستطيعون له إلا لزوما

أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد بن منصور الدامغاني نزيل بيهق ثنا أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني أخبرني الحسن بن سفيان ثنا أبو عمار ثنا الفضل بن موسى عن أبي فروة الرهاوي عن أبي يحيى الكلاعي عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن الله عز وجل يقول أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الخير وقدرته فطوبى لمن خلقته للخير وخلقت الخير له وأجريت الخير على يديه أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الشر وقدرته فويل لمن خلقت الشر له وخلقته للشر وأجريت الشر على يديه

وأما ما روي في حديث دعاء الاستفتاح الخير في يديك والشر ليس إليك فإنما معناه الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله عز وجل والمدح له بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها ولم يقصد به إدخال شيء في قدرته ونفي ضده عنه فقد قال في هذا الحديث والمهدي من هديت وفي حديث آخر والمعصوم من عصم الله وفي ذلك دلالة على أنه يهدي قوما دون قوم آخرين ومن لم يهده ولم يعصمه فقد خذله ومن خذله لم يرد به خيرا قال الله عز وجل أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وكان النضر بن

 

 

[ صفحة 146 ]

 

 

شميل يقول معناه الشر لا يتقرب به إليك

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال سمعت العباس بن محمد الدوري يقول سمعت يحيى بن معين يقول قال النضر بن شميل والشر ليس إليك تفسيره والشر لا يتقرب به إليك

أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان في آخرين قالوا أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا الحسن بن عرفة ثنا إسماعيل بن علية عن يزيد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ح

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن إسحاق أنا إسماعيل بن قتيبة ثنا يحيى بن يحيى أنا حماد عن يزيد الرشك ثنا مطرف عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما

 

 

[ صفحة 147 ]

 

 

خلق له وفي رواية ابن علية قال اعملوا فكل ميسر أو كما قال

قال أبو سفيان الخطابي رحمه الله فيما بلغني عنه في هذا الحديث فأعلمهم صلى الله عليه وسلم أن العلم السابق في أمرهم واقع على معنى تدبير الربوبية وأن ذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية إلا أنه أخبر أن كلا من الخلق ميسر لما دبر له في الغيب فيسوقه العمل إلى ما كتب له من سعادة أو شقاوة فيثاب ويعاقب على سبيل المجازاة فمعنى العمل التعريض للثواب والعقاب وبه وقعت الحجة وعليه دارت المعاملة

وكان الشيخ أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان رحمه الله يقول أعمالنا أعلام الثواب والعقاب قلنا وليس لقائل أن يقول إذا خلق كسبه ويسره لعمل أهل النار ثم عاقبه عليه كان ذلك منه ظلما كما ليس له أن يقول إذا مكنه منه وعلم أنه لا يتأتى منه غيره ثم عاقبه كان ذلك منه ظلما لأن الظلم في كلام العرب مجاوزة الحد والذي هو خالقنا وخالق أكسابنا لا آمر فوقه ولا حاد دونه وكل من سواه خلقه وملكه فهو يفعل في ملكه ما يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

أخبرنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمد

 

 

[ صفحة 148 ]

 

 

أبادي ثنا أبو قلابة ثنا عثمان بن عمر ح

وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أنا محمد بن يعقوب الشيباني ثنا محمد بن شاذان ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عثمان بن عمر أنا عزرة بن ثابت عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلمي قال قال لي عمران بن حصين أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم فقلت بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال فقال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال لي يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك عنه إلا لأحرز عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلونه به مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت عليهم الحجة فقال لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم قال ففيم نعمل إذا قال من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يسره لها وتصديق ذلك في كتاب الله ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها

 

 

[ صفحة 149 ]

 

 

أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار ثنا الحسن بن مكرم ثنا إسحاق بن سليمان الرازي ثنا أبو سنان الشيباني قال سمعت وهب بن خالد الحمصي يحدثنا عن ابن الديلمي قال وقع في نفسي شيء من القدر فأتيت أبي بن كعب فقلت أبا المنذر وقع في نفسي شيء من القدر فخفت أن يكون فيه هلاك ديني أو أمري فقال يا ابن أخي إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو أن لك مثل أحد ذهبا أنفقته في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته فقال مثل ذلك وقال لي لا عليك أن تأتي حذيفة بن اليمان فتسأله فأتيته فسألته فقال لي مثل ذلك وقال ائت زيد بن ثابت فسله فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر مثل ذلك

قال الأستاذ الإمام رحمه الله تابعه سفيان الثوري فرواه في جامعه عن أبي سنان هذا ورواه أيضا كثير بن مرة عن ابن الديلمي إلا أنه زاد سعد بن أبي وقاص في أوله ولم يذكر حذيفة

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا محمد بن علي بن عبد الحميد الصغاني ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق عمن معمر قال بلغني أن عمرو بن العاص قال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما وددت أني أجد من أخاصم إليه ربي فقال أبو موسى أنا فقال عمرو أيقدر علي شيئا ويعذبني عليه فقال أبو موسى رضي الله عنه

 

 

[ صفحة 150 ]

 

 

نعم قال لم قال لأنه لا يظلمك فقال صدقت

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب أنا إسماعيل بن إسحاق ثنا محمد بن عبيد ثنا حماد بن زيد عن حبيب بن الشهيد قال سمعت إياس بن معاوية يقول لم أخاصم بعقلي كله من أهل الأهواء غير أصحاب القدر قلت أخبرني عن الظلم في كلام العرب ما هو قال أن يأخذ الرجل ما ليس له قلت فإن الله له كل شيء

قال الشيخ أبو بكر الظلم عند العرب هو فعل ما ليس للفاعل فعله وليس من شيء يفعله الله إلا وله فعله ألا ترى أنه فاعل بالأطفال والمجانين والبهائم ما شاء من أنواع البلاء فقال أغرقوا فأدخلوا نارا فأغرقهم صغيرهم وكبيرهم وقال وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم وغير ذلك من الآيات الواردة في تعذيب الصغير والكبير والأطفال والمجانين بأنواع البلاء

 

 

[ صفحة 151 ]

 

 

باب القول في الهداية والإضلال

قال الله عز وجل من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وقال من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعل